اقتصاد الضرورة.. أثاث من خشب "المشاطيح" في غزة
تاريخ النشر : 2026-05-24 12:01

في خيمة لا تتجاوز بضعة أمتار مربعة، وسط غبار الخشب وأزيز المنشار، ينحني رأفت قدورة على قطعة خشب قادمة من صناديق شحن مهترئة، يقلّبها بين يديه يتساءل في نفسه عما يمكن  أن تصير عليه؛ خزانة ربما؟ أو باب، أو ما يشبه طاولة!.

كان قدورة يمتلك منجرتين في شمال غزة، وكان العمال يملؤون المكان والآلات لا تهدأ، لم يتبقى له اليوم منهما سوى أدوات قليلة وإرادة قوية ورغبة في البقاء.

هذا المشهد لم يعد استثناءً في قطاع غزة؛ إذ باتت ورش النجارة تعتمد على خشب المشاطيح وبقايا الخردة بديلاً عن الأخشاب الأصلية، في ظل حصار إسرائيلي خانق، يمنع إدخال المواد الخام منذ اندلاع الحرب. واقعٌ أفرز ما يصفه الاقتصاديون بـ " اقتصاد الضرورة"، وألقى بظلاله على النجارين والمواطنين على حدٍّ سواء.

يقول رأفت إن العمل قبل الحرب كان مختلفاً تماماً؛ المنجرتان تعملان بانتظام، والزبائن يصلون بلا عناء، أما اليوم فالأمر مختلف تماماً، بدأت من الصفر محاولاً مواصلة مهنة فقدنا كل مقوماتها خلال الإبادة، ساعياً إلى تأمين دخل أعيل به أسرتي

ويوضح قدورة أن النجارين اضطروا، في ظل شح الخشب وارتفاع أسعاره بصورة غير مسبوقة — إذ بلغ سعر خشب الأثاث نحو ثمانية عشر ضعف سعره قبل الحرب — إلى الاعتماد على خشب المشاطيح الذي يصل عبر قنوات غير رسمية، سواء من المساعدات أو من السوق السوداء، كبديل اضطراري لمواصلة العمل.

غير أن الوصول بهذا البديل إلى شكله النهائي من قطع الأثاث المختلفة لا يتم بسهولة وفق ما يقول قدورة :" إعادة تدوير خشب الخردة تتم بطرق لا توفر الجودة المطلوبة في صناعة الأثاث، لكنها باتت خيار لا مفر منه في غياب البدائل، ويُضاف إلى ذلك انقطاع الكهرباء وتدمير كثير من المناجر، مما زاد من تعقيد العمل وأبطأ الإنتاج بشكل ملحوظ".

وللتكيف مع هذا الواقع، يتنقل قدورة بين البيوت والمؤسسات حاملاً معداته البسيطة لتنفيذ أعمال النجارة في مواقعها، وهو ما أدى لارتفاع حاد في أسعار الأثاث، ما جعل كثيرين — ولا سيما المقبلين على الزواج — عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية، فتراجعت حركة البيع وانكمش دخل النجارين.

في حي الرمال بمدينة غزة، تعيش صفاء عطا الله (32 عاماً) مع طفلتيها في بيت مستأجر، بعد أن فقدت منزلها وما فيه من أثاث في الأيام الأولى من حرب أكتوبر 2023، تقول: "منذ الأيام الأولى للحرب فقدنا البيت وكل الأثاث، واضطررنا للانتقال إلى بيت إيجار في حي الرمال، وبدأنا من جديد دون أي قطعة أثاث."

مع استقرار العائلة في المنزل الجديد، بدأت معاناة توفير أبسط الاحتياجات اليومية، كخزانة لحفظ الملابس، وجد زوجها الحل فيما تبقى لديه من خشب مشاطيح فسلّمه لنجار أعاد توظيفه في صنع خزانة وأرجوحة صغيرة لطفلتيهما.

لم تخلُ التجربة من مشكلات؛ إذ تأثرت أجزاء من الأثاث بالرطوبة، وضعف ثباته مع كثرة الاستخدام، مما يكشف محدودية هذا الخشب مقارنة بالأنواع الأخرى. ومع ذلك، تُقرّ صفاء بأن الشكل النهائي جاء أفضل مما توقعت بعد الطلاء والترتيب، وإن ظل أقل جودة وجمالاً من الخشب التقليدي، ويحتاج إلى تعامل حذر حتى لا يتلف سريعاً.

وترى أن هذا النوع من الأثاث يبقى حلاً مؤقتاً مناسباً للظروف الراهنة، وقد تلجأ إليه مجدداً إن استمر ارتفاع أسعار الأخشاب.

ويصف الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر هذه المحاولات بأنها شكل من أشكال "اقتصاد الضرورة" المرتبط بمفهوم الاقتصاد الدائري، حيث يضطر السكان إلى إعادة استخدام المواد المستهلكة والنفايات جراء إغلاق المعابر ومنع دخول المواد الخام، ويلفت إلى أن هذا النمط موجود في دول عديدة، لكنه في غزة جاء نتاج حاجة ملحّة لا خيار اقتصادياً أو بيئياً.

ويرصد أبو قمر ارتفاعاً غير مسبوق في تكاليف الإنتاج، يطال الأخشاب والبراغي والمسامير، فضلاً عن أزمة الكهرباء التي تُثقل كاهل أصحاب الورش والتي بدورها تنتقل في نهاية المطاف إلى المستهلك، ما يُفسّر الارتفاع الكبير في أسعار الأثاث المحلي.

ويخلص إلى أن استمرار إغلاق المعابر وضعف سلاسل التوريد يُبقيان الأزمة مفتوحة، مُرجِّحاً أن تتراجع ظاهرة الاعتماد على الأخشاب البديلة تدريجياً حين تُفتح المعابر ويعود تدفق المواد الخام بصورة منتظمة.