أسمدة "ترقيعية" لإنقاذ ما تبقّى من الزراعة في قطاع غزة
تاريخ النشر : 2026-05-22 16:22

خانيونس - شبكة نوى :

لم يخطر يومًا ببال المزارع محمود الأسطل (34 عامًا) أن يصبح السماد الكيماوي عقبة في طريق زراعة أرضه بمنطقة المواصي غرب مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، فأسعار السماد أصبحت "جنونية" كما يقول.

داخل "عريشة" من سعف النخيل أنشأها ليستريح من عناء يوم كامل، يُقلّب حفنة من تراب أرضه ويقول لـ "نوى": الأرض تعبانة والسماد الذي نضعه إما مغشوش أو غالي الثمن والتربة مش زي الأول".

قبل حرب الإبادة، كان الأسطل يعرف مواسمه جيدًا، يشتري الأسمدة الكيماوية بأنواعها المختلفة، ويوزعها على التربة بكمياتٍ محسوبة، ثم ينتظر نمو محصوله وشتلاته من الطماطم والخيار والباذنجان والفلفل، ويرعاها كطفلٍ صغير، أما اليوم، فيزداد قلقه من ضعف النباتات والأشتال ومحدودية الإنتاج، ويضيف: "الوضع أشبه بتجارب مجهولة النتائج رغم ما نبذله من جهد مضاعف في توفير المياه والبذور".

بكثيرٍ من الحسرة، يقول الأسطل وهو يشير إلى شتلاتٍ ذابلة من البصل: "رغم خبرتنا في الزراعة لكننا اليوم نحاول فقط إبقاء الزرع حيًا، لأن كل مقومات الزراعة انعدمت خلال الحرب".

داخل وعاءٍ بلاستيكي، يقوم الأسطل بعملية يسميها "تخمير" ما يتوفر لديه من قشور الخضروات ومخلّفات الطعام، وداخل وعاءٍ آخر "يُخمّر" فيه روث الحيوانات والحمام لإنتاج سمادٍ عضوي، ثم يضخ تلك العصارة خلال عملية الري للمزروعات.

رغم فائدتها للنباتات، إلا أن الأسطل يشير إلى أنها لن تكون بديلاً كليًّا عن السماد الكيماوي اللازم لتقوية النبات ومعالجة الاصفرار الناتج عن التغذية الضعيفة لجذر النبتة.

حلول ترقيعية

وفي مشهدٍ لا يختلف كثيرًا، يحاول يوسف الأغا (42 عامًا) أن يوفر لمزروعاته قليلًا من السماد الكيماوي الذي حظي بجلبه من بيته قبل هدمه في منطقة السطر الغربي بمدينة خان يونس.

الأغا يحاول تقليص الكميات لأقصى حد، والاعتماد على المتوفر من السماد العضوي، لكنه يقول لـ"نوى": لم يتبق من ثلاثة أكياس جلبتها من منزلي سوى ربع كيس، وبعدها سأضطر للاعتماد على السماد العضوي بشكل كامل.

مع تنهيدة اختصرت عناء تعبه يضيف: "قبل الحرب كنت أستخدم السماد بانتظام وكانت الأرض تعطي إنتاجًا يكفينا، أما الآن نزرع ونحن نعرف أن المحصول ضعيف وممكن يُضرب الموسم كله".

باستخدام عصاة خشبية، يقلب بها داخل وعاء يخلط فيه روث الحيوانات وشتلات نباتاتٍ يابسة وبعض الرماد، ويقول بنبرة ساخرة: "صرنا نعمل في الكيمياء أكثر من الزراعة".

يروي الأغا أن المزارعين باتوا يتداولون وصفاتٍ لتعويض غياب الأسمدة الكيماوية، مثل استخدام الخميرة منتهية الصلاحية، أو عصارة مخلفات روث الحيوانات أو قشور الخضروات، أو نبات "القُرّيص" الذي ينمو ذاتيًا خلال موسم الشتاء.

يقول: النتائج جيدة لكنها غير كافية، فالمحاصيل باتت تنمو بوتيرةٍ أبطأ من ذي قبل، وانخفض حجم الثمار وجودتها لأن الأرض فقدت خصوبتها تدريجيًا نتيجة قلة تغذية التربة".

 ولا تقتصر مشكلات المزارع الأربعيني في الزراعة بحسب ما تحدث لـ"نوى" على توفير الأسمدة فحسب، إذ يشير إلى أن توفير البذور والأشتال وانتظام المياه للري باتت معارك يومية يواجهها المزارع خلال موسمه المتعثر.

 ورغم ما يبديه الأغا من امتعاضٍ شديد بسبب استثناء مدخولات الإنتاج الزراعي من السماح بعبورها حتى بعد وقف إطلاق النار، إلا أنه يأمل أن يتم إدخالها في الفترة المقبلة، تسهيلاً على المزارعين، ولإعادة تعافي هذا القطاع الحيوي بعد حرب أتت على الأخضر واليابس فيه.

واقع صادم

 في غزة، كان القطاع الزراعي يشكّل مصدر رزق أساسي لآلاف العائلات، بيدَ أن حرب الإبادة دمّرت هذا القطاع وأحالت آلاف العاملين فيه، وفي قطاعات إنتاجية مرتبطة به إلى جيش من العاطلين.

ومع الصلف الإسرائيلي في استمرار القيود على إدخال مستلزمات الإنتاج الزراعي بحجة أن بعضها "مزدوج الاستخدام"، وعلى رأسها الأسمدة الكيماوية، وجد من تبقى من هؤلاء المزارعين، أنفسهم أمام أزمة مركبة تهدد مواسمهم الزراعية، وتدفعهم إلى حلول بديلة توصف بأنها "ترقيعية" وغير فعّالة.

يقول خبير الزراعة والتنمية المستدامة نبيل أبو شمالة، إن القطاع يعاني من انعدام الأسمدة بنوعيها الكيميائية والعضوية، وهو ما تسبب في استنزاف الرقعة الزراعية، خاصة أن أراضي القطاع ذات طبيعة رملية وتُزرع أكثر من مرة خلال العام، الأمر الذي يجعلها بحاجة دائمة للتغذية واستعادة خصائصها الحيوية.

ويوضح أبو شمالة في حديثٍ لـ"نوى" أن غياب الأسمدة النيتروجينية أو المُركّبة أدى إلى تراجع الإنتاجية الزراعية بنسبة تتجاوز 50%، إلى جانب هشاشة بنية النبات، ما يجعله أكثر عرضة للآفات والأمراض.

كما أن غياب الأسمدة الكيميائية، بحسب أبو شمالة، يحرم التربة من العناصر النادرة التي تحتاجها، مثل الزنك والبورون الضروريين لعمليات الإزهار وعقد الثمار.

وفي ظل هذا الواقع، تُبذل جهود بالتعاون مع منظمة الفاو ومؤسسات القطاع الزراعي عبر ورش عمل ونقاشات مكثفة، للبحث عن بدائل يمكن أن تعوض جزءًا من النقص في تسميد التربة، مع مراعاة أن تكون هذه البدائل آمنة بيئيًا وقابلة للتطبيق.

لكن أبو شمالة يحذّر من مخاطر جديدة ظهرت لأول مرة، تتمثل في تحجيم البدائل الزراعية المتوفرة، مثل المخلفات الزراعية الناتجة عن قشور الخضروات والنباتات اليابسة، حيث يجري استخدامها في إنتاج الوقود، أو تحويلها إلى أعلاف للحيوانات، بدل الاستفادة منها في تحسين التربة.

ويرى أن الاستخدام الأكثر نجاعة لتلك المخلفات يتمثل في إنتاج "الكومبوست"، أو ما يُعرف بالسماد الأخضر أو الحيوي، من خلال ضغط هذه المخلفات أو تخميرها بالطرق المفتوحة أو المغلقة، بما يسهم في استعادة جزء من خصوبة التربة.

وأشار أبو شمالة إلى أن بعض المزارعين لجأوا إلى حلول بديلة لتحسين جودة التربة في ظل نقص الأسمدة، مثل حرث الأرض بمخلفات نبات الفول أو الكوسا، أو ري التربة بمنقوع مياه العدس المجروش، ثم دفن العدس المتبقي بعد النقع حول جذور الأشجار للاستفادة من عناصره الغذائية.

ورغم أهمية هذه البدائل، يؤكد أبو شمالة أنها غير كافية لتعويض الفاقد الحقيقي في تغذية التربة، قائلاً: "نحن بحاجة ملحّة لإدخال الأسمدة الكيميائية والعضوية لتعويض نقص تغذية التربة".

وبنظرة مستقبلية، يتوقع الخبير الزراعي أنه في حال استمر انقطاع الأسمدة، فإن الإنتاجية الزراعية ستشهد مزيدًا من التراجع، وهو ما سينعكس سلبًا على أسعار المنتجات الزراعية محليًا، كما دق ناقوس الخطر من احتمال تقلّص المساحات الخضراء في القطاع إذا ما استمر الوضع على حاله، مع اتجاه بعض المزارعين إلى تأجير أراضيهم لمشاريع تجارية وخدمية أخرى بدل استثمارها زراعيًا.

وإلى جانب ضرورة الضغط على الاحتلال لإدخال الأسمدة، قدّم أبو شمالة وصفة عاجلة لإنقاذ هذا المورد الحيوي، تقوم على استثمار المساحات المتوفرة والإمكانات المحدودة بأساليب إبداعية ومبتكرة، موضحًا: "نعمل حاليًا على توعية المزارعين بضرورة استخدام جميع المخلفات الزراعية المتوفرة لديهم لإنتاج السماد الحيوي أو الكومبوست الصلب، بما يوفر قدرًا من التغذية المطلوبة لإحياء التربة واستمرار الزراعة".