غزة- شبكة نوى:
بجسدٍ منهك مثقل بالتعب، يتنقّل الشاب مصعب عرفة بين الخيام والعيادات الطبية بحثًا عن علاجٍ لوضعه الصحي المتدهور والذي أفقده 35 كيلو جرامًا من وزنه خلال أربعة شهور دون تفسيرٍ طبي واضح.
فالشاب الذي يعيش حاليًا في خيمةٍ بأحد مخيمات غرب مدينة غزة، كان قد خضع قبل 11 عامًا لعملية زراعة كلى في مصر أجبرته على الالتزام بنظام طبي وغذائي محدد حفاظًا على حياته، لكن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، دمّرت حلم النجاة لديه مثلما فعلته بكافة المرضى الذين خضعوا لعملية زراعة كلى.
"فقدت الأمل، حاسس حالي رح أموت بأي لحظة"، يقول الشاب مختصرًا آلامه وهو يراقب جسده الذي ينهار يوميًا، وسط خوفه الدائم من أن يرفض جسده الكلية المزروعة وتنتهي آخر فرصة نجاة لديه، بينما صحته تتدهور أكثر فأكثر.
يستذكر مصعب معاناته مع غسيل الكلى: "كنت أطلع من الصبح يوميًا عشان أحجز مكان على ماكينة الغسيل وأربع بالليل منهك، بعد عملية زراعة الكلى كان وضعي مستقر لكن الحرب قلبته تمامًا، نزحت 23 مرة من منزلي شرق غزة، متنقلًا داخل مدينة غزة، في ظروف أعاقت التزامي بالعلاج وأرهقت جسدي".
مصعب هو أحد مرضى زراعة الكلى الذين يخوضون معركتهم مع المرض والنزوح المتكرر ونقص الأدوية وتدمير المراكز الصحية، إلى جانب سوء الأوضاع المعيشية التي لا تناسب احتياجات مرضى الكلى، ما جعل حصولهم على العلاج والرعاية الصحية اللازمة مسألة شبه مستحيلة.
يقول مصعب: "عشت مجاعتين، إلى جانب نقص الغذاء ورداءة المتوفر منه، والاعتماد على مياه غير نقية رغم حاجتي إلى نظام غذائي دقيق يدعم استقرار حالتي، إلى جانب ما واجهته للحصول على الأدوية المثبطة للمناعة وهي عنصر أساسي للحفاظ على الكلى المزروعة".
يكمل :"أغلب الدوا مش متوفر، وفي مرات كنت ألاقيه منتهي الصلاحية… والصيدلي يقولي خده بكفاءة أقل أحسن ما توقف الكلية".
ومع غياب المتابعة الطبية والفحوصات اللازمة، بدأ وضعه الصحي يتدهور تدريجيًا، لم يتمكن من إجراء تحليل "البروغراف" الذي يقيس مستوى الدواء في الدم، ما جعل الجرعات التي يتناولها غير دقيقة، "لما توفر الفحص بعد فترة، اكتشفوا إنه في جرعتين لازم تنخفض"، يعقّب مصعب.
بعد تعديل العلاج، تحسّن وضعه نسبيًا، لكنه يصف هذا التحسن بالهش، المرتبط بظروفٍ لا يملك السيطرة عليها.
في ظروفٍ لا تقل قسوة، يعيش شادي ضاهر (38 عامًا)، وضعًا لا يقل قسوة، فالشاب – وهو أب لثلاث أطفال، خضع لعملية زراعة كلى منذ عام 2015م بعد معاناة طويلة مع غسيل الكلى، ومنذ ذلك الحين يلتزم بأدوية ونظام غذائي دقيق، وبدأ حياة أكثر استقرارًا لكن الحرب غيّرت كل شيء.
يقول لـ"نوى": "قبل الحرب كنت أقدر أوفّر مياه نظيفة، وأتابع مع الطبيب، وآخذ الدوا بانتظام… كان في قلق، بس الأمور تحت السيطرة".
مع النزوح إلى جنوب القطاع، تحولت الحياة داخل الخيام إلى تهديدٍ يومي، الحرارة الشديدة، وسوء النظافة، والاكتظاظ، كلها عوامل تزيد خطر العدوى بالنسبة له، خاصةً مع اعتماده على أدوية مثبطة للمناعة.
يقول الشاب الذي يعيش في خيمةٍ بأحد مخيمات مدينة غزة: "في فترات انقطعت عن أدوية مثبطات المناعة، واضطريت آخد دوا منتهي الصلاحية لأنه ما في بديل".

ولا تتوقف معاناته عند ذلك، إذ يعاني أيضًا من عدم توفر أدوية الضغط، فيما أصبحت الفحوصات الدورية شبه غائبة، حتى أن آخر فحص أجراه كانت نتائجه مقلقة وتجعله بحاجة على متابعة دقيقة لكنها غير متاحة حاليًا.
ما زاد وضعه سوءًا هو حالة النزوح التي جعلته مضطرًا للقيام بأعمال شاقة لا تناسب حالته الصحية، كحمل المياه وجمع الحطب لتأمين الحد الأدنى من احتياجات عائلة، "أنا مش طالب إشي كبير… بدي علاج منتظم، ومي نظيفة، وأعيش مع أولادي بكرامة"، يختم شادي.
من جانبه، يوضح الدكتور غازي اليازجي، رئيس قسم الكلى في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، أن ما يواجهه المرضى اليوم يعكس انهيارًا شبه كامل للمنظومة الصحية، فعدد المختصين في زراعة الكلى شمال قطاع غزة لا يتجاوز طبيبين أو ثلاثة، رغم تزايد أعداد المرضى واحتياجاتهم.
ويتابع: "المنظومة الصحية منهارة تقريبًا، وهذا بخلّي متابعة مرضى زراعة الكلى صعبة جدًا، مضيفًا أن المرضى يواجهون معاناة مركّبة تبدأ من النزوح وسوء التغذية وتلوث المياه، ولا تنتهي عند نقص الأدوية المثبطة للمناعة أو غياب الفحوصات الأساسية، وعلى رأسها تحليل مستوى دواء "البروغراف" والخزعة الكلوية اللازمة لتشخيص حالات رفض الجسم للكلية المزروعة.
يكمل:"في ظل هذا الواقع، تتزايد احتمالات تدهور وظائف الكلى وفقدانها، ما يعني العودة مجددًا إلى جلسات الغسيل بكل ما تحمله من أعباء صحية ونفسية".
وحسب تقديراته، يبلغ عدد مرضى زراعة الكلى في قطاع غزة نحو 450 مريضًا، أجرى 310 منهم عمليات الزراعة في مصر، مقابل 140 داخل غزة، وجميعهم يواجهون اليوم مخاطر مضاعفة مع انقطاع الرعاية المنتظمة.
ورغم محدودية الخيارات، يدعو اليازجي المرضى إلى الالتزام بالأدوية المثبطة للمناعة، وتجنب بعض المسكنات، خاصة "الديكلوفين"، لما لها من آثار ضارة على الكلى، إلى جانب شرب المياه النظيفة قدر الإمكان والاستمرار في المتابعة الطبية متى توفرت الفرصة.
بين قصص المرضى وتحذيرات الأطباء، تتكشف صورةٌ أثقل من الاحتمال: أجسادٌ تحاول التكيّف مع كِلى مزروعة، في بيئةٍ لا تساعد على البقاء أصلًا.
