تتنقّل الفنانة التشكيلية أحلام عبد العاطي بين لوحاتها القليلة التي نجت من أنقاض منزلها ومرسمها في مدينة غزة، بلمسات حذرة تشبه حنان الأم على أطفالها؛ تتأمّل الألوان المتشقّقة وأطراف القماش الممزّقة، ثم تضمّ إحدى اللوحات إلى صدرها، وكأنها تستعيد جزءًا من حياة دفنت تحت الركام.
داخل خيمة نزوح في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، علّقت عبد العاطي ما استطاعت إنقاذه من أعمالها على جدران قماشية باهتة، فتحوّلت الخيمة الصغيرة إلى مرسم بديل ومساحة تحتمي فيها بذاكرتها من قسوة الإبادة

تقول عبد العاطي 35 عامًا: "هذه ليست مجرد لوحات، إنها كأطفالي، وجزء من ذاكرتي وحياتي"، مشيرةً إلى عشرات الأعمال المعلّقة حولها، انتشلتها بنفسها من تحت أنقاض منزلها ومرسمها المدمّرَين، بعد رحلة نزوح طويلة فرضتها الحرب.
وتروي عبد العاطي، بصوت يمتزج فيه الحنين بالوجع، كيف عادت إلى غزة لتفتّش بين الركام عن بقايا حياتها الفنية :"استخرجت ما استطعت من لوحات وأدوات، وضعت في هذه الخيمة نحو خمسين لوحة نجت من الدمار، بينما فقدت معرضي بالكامل، وكان يحمل اسم ميلاد حلم".
قبل الحرب، كانت عبد العاطي تُقيم معارضها الخاصة وتشارك في فعاليات ثقافية، فيما كان مرسمها يعجّ بالألوان والأدوات وأكثر من مئة لوحة أنجزتها على مدار سنوات، لكن الحرب، كما تقول، "حوّلت كل شيء إلى ركام".
لم تكن الخسارة مادية فحسب؛ إذ تركت الحرب أثرًا نفسيًا عميقًا، لا سيما بعد فقدان شقيقها وتعرّضها لإصابة خلال الإبادة، فضلًا عن أعباء النزوح المتكرر، وهو ما دفعها لفترة طويلة إلى الابتعاد عن الرسم والشعور بانطفاء داخلي.

تقول: "بعد الحرب لم أستطع العودة إلى الفن، كنت غارقة في هموم الحياة وأعبائها، سيما النزوح والتنقل من مكان إلى آخر، شعرت أن شيئًا بداخلي انطفأ لكنني أدركت لاحقًا أن عليّ العودة للرسم رغم كل شيء، لأن الفن بالنسبة لي لم يكن رفاهية بل طريقة للبقاء".
ومن داخل خيمتها، تحاول استعادة علاقتها بالألوان بأدنى الإمكانيات، بعدما باتت الأدوات الفنية باهظة الثمن وشحيحة، تقول: "أرسم بيدي أحيانًا بدون فرشاة لأن الأدوات غالية جدًا، أحاول بأبسط الوسائل أن أستمر وأن أوصل رسائل إيجابية رغم كل ما عشناه".
في ساعات الصباح، تتحوّل الخيمة إلى فصل دراسي مفتوح، يستقبل أطفالًا نازحين كثيرٌ منهم فقدوا ذويهم أو عاشوا صدمات الحرب، فتستخدم الرسم وسيلةً لمساعدتهم على التعبير عن مشاعرهم وتفريغ ما بداخلهم من خوف وألم، توضّح: "أحاول تدريب الأطفال على التعبير عن مشاعرهم بطريقة صحيحة من خلال الرسم والألوان، جميعهم تقريبًا تعرّضوا للعنف بأشكاله المختلفة، لذلك نحاول عبر الفن تحويل هذه المكنونات السلبية إلى شيء إيجابي".
ورغم تدمير مدرستها "أحلام غزة" التي أسّستها إبّان نزوحها في رفح، رفضت عبد العاطي الاستسلام لليأس وأعادت افتتاحها أكثر من مرة، إيمانًا بأن الفن وسيلة مقاومة وحفظ للذاكرة الجماعية.

لا تنظر عبد العاطي إلى الرسم باعتباره مساحة شخصية للنجاة فحسب، بل رسالةً تتجاوز حدود الخيمة والحصار: "نحاول أن نوصل للعالم أن المرأة الفلسطينية قوية، وأن الشعب الفلسطيني صامد في أرضه، وأن لنا الحق في الحياة مثل باقي شعوب العالم" تختم.
