لم يعد ثمة من يقرع أبواب الخيام في الفجر، لم تعد الشاحنة تصل، ولم يعد النازحون يسمعون الصوت الذي اعتادوا انتظاره قبل أن يفتحوا أعينهم، هذا الصمت كان نهاية رجلين اختارا كل صباح أن يكسراه.
كان محمود وعيد أبو وردة يشقّان طريقهما كل فجر نحو شرق غزة، عابرَين الطرق الترابية المحفوفة بالخطر، محمَّلَين بما هو أثمن من حمولتهما، الماء الذي يمنح فرصةٌ أخرى لبقاء آلاف النازحين، ممن أنهكهم العطش والحصار والإبادة.
عند أطراف حي الشجاعية، كانا يبدآن يومهما قبل طلوع الشمس، في مهمة تتكرر يوميًا، لكنها لم تكن يومًا عادية، إذ كان الشقيقان يعملان برفقة أخيهما محمد على نقل المياه إلى مراكز الإيواء بالتنسيق مع منظمة "اليونيسف"، بعد أن دمَّرت الحرب شبكات المياه والبنية التحتية في معظم أنحاء القطاع.
شاحناتهم التي تحمل شعارات المنظمة الدولية كانت معروفة في المنطقة، تمر أكثر من مرة يوميًا عبر المسار ذاته، فيما ينتظرها النازحون أمام الخيام بعبوات فارغة وأمل مؤقت بالنجاة من العطش.
في أحد صباحات يوم الجمعة، وتحديداً في السابع عشر من أبريل الماضي، وصل الإخوة الثلاثة إلى محطة تعبئة المياه قرب شارع المنصورة شرقي غزة، ووقفوا بين عدد من السائقين ينتظرون دورهم، دقائق قليلة فقط فصلت بين حديث عابر دار بينهم، وبين المشهد الذي غير حياة العائلة إلى الأبد.
ما إن أنهى محمود تعبئة شاحنته وتحرَّك استعدادًا للمغادرة، حتى أصابته رصاصة مباشرة في رقبته، لم يستوعب محمد ما جرى؛ اندفع نحوه محاولًا سحبه بعيدًا، فأُصيب هو الآخر برصاصتين في الكتف والصدر، أما عيد الذي حاول الوصول إلى شقيقيه، فسقط إثر إطلاق نار أصابه في أكثر من موضع.
يستعيد محمد أبو وردة، تفاصيل تلك اللحظات:" رأيت دبابة إسرائيلية شرق المنطقة، وصرخت على إخوتي أن يعودوا، لكن كل شيء حدث بسرعة" يتوقف قليلًا قبل أن يضيف: " كنا نذهب إلى هناك يوميًا، الجميع يعرف أننا ننقل المياه للنازحين، وشاحناتنا تحمل علامات اليونيسف بوضوح، وهذه لم تكن هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها شاحناتنا لإطلاق نار ، إذ سبق ذلك إطلاق الرصاص باتجاهنا وحينها أصابت خزانات المياه"، يقول محمد:" واصلنا العمل رغم الخوف لأن النازحين في مراكز الإيواء لم يكن لديهم أي مصدر آخر للمياه، لكن لم أكن أعلم أنهم سوف يستهدفوننا فقط لأننا نوصل المياه للنازحين".
في منزل العائلة بمنطقة جباليا النزلة، لا تزال الأم السبعينية تحاول استيعاب ما حدث وهي التي فقدت اثنين من خيرة الأبناء، تقول إن اتصالًا هاتفيًا وصل إلى زوجها الذي فقد بصره في قصف سابق، وحين وضع يده على رأسه أدركت أن مصيبة قد حلَّت.
تروي الأم لحظات وصولها إلى المستشفى: "وجدت محمود في ثلاجة الشهداء، ومحمدًا على جهاز التنفس الاصطناعي، أما عيد فكان الأطباء يحاولون إنقاذه" تصمت لحظة، ثم تكمل: "بعد دقائق أخبروني أنه استشهد".
منذ بداية الحرب، عمل الشقيقان على قيادة شاحنات مياه لا يملكانها، مقابل أجر يومي بالكاد يسد احتياجات أسرتيهما، ومع ذلك، لم يتوقفا عن الذهاب إلى المناطق الخطرة، لأنهما كانا يدركان أن وصول المياه إلى الخيام يعني استمرار الحياة لساعات إضافية.
رحل محمود وعيد، لكن صورتيهما ظلتا حاضرتين في ذاكرة النازحين الذين اعتادوا سماع صوت الشاحنات وهي تصل إلى المخيمات.
ترك محمود طفلين صغيرين، وخلَّف عيد أربعة أطفال، سيكبرون وهم يسمعون كيف كان والداهما يحملان الماء إلى العطشى، قبل أن يعودا ضحيتَين على الطريق ذاته الذي سلكاه كل يوم لإنقاذ الآخرين، والصمت الذي خلَّفاه هو وحده ما تبقى.
