قطاع غزة:
في ممرات مستشفى الرنتيسي للأطفال بغزة، يصارع الصغير وافي القايض هواءً عزّ نيله، بجسدٍ لم يكمل عامه الثاني يواجه تجربةً قاسية تسرق براءته، بينما تحاول والدته في مشهدٍ يمزق القلب إخفاء ذعرها من آلام صغيرها.
يعاني الطفل من توسّع الرئتين والتهاب الصدر الحاد، حوّلا أنفاسه إلى رحلة شاقة، فكل شهيقٍ بالنسبة له معركة استنزاف، وكل زفيرٍ يحمل إرهاقاً يفوق طاقة البشر، في وقتٍ كان يُفترض أن يملأ فيه المكان بضحكاته بدلًا من أنين مكتوم يفتت الأكباد.
ينظر وافي حوله بعيونٍ تائهة تسأل عن لحظة راحةٍ يستطيع فيها التنفس دون ألم، بينما يقاوم جسده النحيل مرضاً أثقل كاهله، وكأن رئتيه الصغيرتين تحملان عبء وطنٍ بأكمله، وسط انتظارٍ مريرٍ لفتح باب الأمل في الشفاء داخل هذا المستشفى المنهك كمعظم مستشفيات قطاع غزة جرّاء حرب الإبادة الإسرائيلية.
إعادة تشغيل قسم المناظير في مستشفى الرنتيسي ليست مجرد إجراء طبي، بل هي استردادٌ للحق في الحياة
تقول والدة وافي لـ "نوى" إنها اضطرت للنزوح من دير البلح إلى غزة خصيصاً، لعدم وجود أي مرفق طبي يقدم خدمة المناظير في منطقة الخيام التي تقيم فيها، مؤكدةً أن حالة طفلها تدهورت بشكلٍ خطير في ظل غياب الرعاية الصحية المتخصصة.
وتضيف الأم بمرارة أن طفلها يعاني منذ الولادة من نقص الأكسجين، واصفةً مأساتها اليومية بأنها باتت تقضي في أروقة مستشفى الرنتيسي وقتاً أطول مما تقضيه في خيمتها، بانتظار جهاز المنظار الذي صار يمثل لها ولصغيرها المتعب طوق النجاة الأخير من الموت.
لقد استحضرت الوالدة في ذهنها ليالي السهر الطويل ودعواتها التي لم تنقطع، معتبرةً أن إعادة تشغيل قسم المناظير في مستشفى الرنتيسي ليست مجرد إجراء طبي، بل هي استردادٌ للحق في الحياة، ونافذة أمانٍ قد تنهي عذاب طفلها الذي طال أمده.
وفي زاويةٍ أخرى، تجلس والدة الرضيع محمد كريم أبو عليوة وملامح خوفها محفورة بوجهها أمام غرفة العمليات، عيناها معلقتان بالباب الموصد، تنتظر خبراً يحيي قلبها على رضيعها الذي لم يعرف من الدنيا سوى ضيق النفس والألم منذ صرخته الأولى في هذا العالم.
أنفاس محمد التي كانت تتقطع بين يديها تتردد في أذنيها كاستغاثةٍ مبحوحة، بينما تتشابك في صدرها الدعوات مع ذكرياتٍ قصيرة ومريرة، في انتظارٍ يختبر إيمانها وصبرها، فيما يخوض صغيرها الذي لم يتم شهره السابع معركته الكبرى داخل غرفة العمليات المظلمة.
وُلد محمد في واقعٍ مأساوي نتيجة الحرب التي دمّرت القطاع تدميرًا كاملاً بكل مقوماته، لم يمنح الطفل فرصة العلاج بآدمية، فصدره الصغير يعلو ويهبط بسرعةٍ مجهدة وكأنه يركض في سباقٍ للبقاء، بينما تقف عائلته عاجزةً أمام أنينه، تتمنى لو تملك انتزاع هذا الوجع من جسده الغض ومنحه أنفاساً هادئة.
تقول والدته لـ "نوى" إن طفلها عانى منذ ولادته من حساسية مفرطة وصعوبة بالغة في التنفس، خاصةً خلال الرضاعة، مما دفعها للتنقل بقلبٍ مفطور في مستشفى الرنتيسي حتى قرر الأطباء ضرورة التدخل بالمنظار لتشخيص الأزمة التي كادت تودي بحياته.
تتنهّد قائلة: أخيراً، عاد قسم المناظير في مستشفى الرنتيسي للعمل لتقديم الخدمة للأطفال المصابين بأمراض الجهازين التنفسي والهضمي، وتأتي هذه العودة بعد انقطاعٍ قسري دام عامين، جراء الدمار الهائل الذي ألحقته آلة الحرب الإسرائيلية بأقسام المستشفى وأجهزته الطبية التي تعمد الاحتلال تحطيمها.
القسم، الذي تأسس عام 2008، توقف تماماً خلال عدوان 2023، لكنه عاد الآن لاستقبال ست حالات أسبوعياً
واجه المستشفى عقباتٍ جمّة لإعادة تشغيل القسم بسبب ندرة الإمكانيات وحظر الاحتلال دخول قطع الغيار، ومع ذلك، تمكن الطاقم من صيانة الجهاز الوحيد بجهودٍ مضنية، ليعيدوا النبض والأمل لنفوس ذوي مئات الأطفال الذين ينتظرون هذه اللحظة بفارغ الصبر.
رئيس قسم الجهاز الهضمي بمستشفى الرنتيسي أكد لـ "نوى" أن القسم هو الوحيد في القطاع الذي يقدم هذه الخدمة التخصصية للأطفال من عمر يوم حتى 12 عاماً، مشدداً على أهمية المنظار في تشخيص وعلاج أمراض معقدة لا يمكن التعامل معها بدونه.
وأوضح المسؤول أن القسم، الذي تأسس عام 2008، توقف تماماً خلال عدوان 2023، لكنه عاد الآن لاستقبال ست حالات أسبوعياً، مع طموحٍ لرفع العدد إلى 12 حالة في الأيام المقبلة، رغم الحصار الخانق الذي يعيق تطوير الخدمات الطبية الحيوية.
وختم بالإشارة إلى أن الصعوبات كانت هائلة، فالمستشفى تعرض لدمارٍ بنيوي وفقد أجهزة لا تقدر بثمن، مما يجعل استئناف العمل اليوم انتصاراً للإرادة الطبية الفلسطينية، وإصراراً على حماية حق أطفال غزة في التنفس والعيش بكرامة رغم ركام الحرب والدمار.
