كرة القدم بغزة.. حينما تهزم "صافرة الحكم" ضجيج الإبادة
تاريخ النشر : 2026-05-05 21:15

قطاع غزة:

بينما تتصاعد أعمدة الدخان في أوقاتٍ لا تعرف الهدوء، يرتد صدى صافرة الحكم في أرجاء الملاعب الخماسية المتبقية، حيث انطلقت "بطولة الأمل" لمواليد 2009 لترسم لوحة سريالية؛ صغار يركضون بقمصانهم الملونة فوق أرضياتٍ تحدت القصف، محولين ضجيج الإبادة إلى إيقاعٍ رياضي يضج بالحياة والإصرار.

هذا الحراك الذي يشارك فيه 36 نادياً من مختلف المحافظات، لم يكن وليد الصدفة، بل جاء امتداداً لبطولة تنشيطية انطلقت في فبراير الماضي، لتمثل أول كسر حقيقي لجمود الموت الذي فرضه عامان من الإبادة، معلنةً عودة الروح للمستطيل الأخضر رغم أنف الدمار الشامل.

وعلى مقربة من صخب الصغار، وفي مشهدٍ يجسد التحدي، يتصبب اللاعب محمد فروانة (20 عاماً) عرقاً على أرضية "ملعب فلسطين" المتهالك غرب غزة، حيث يطارد لقب الهداف في بطولة الخماسيات، محاولاً ترميم أحلامه التي تكسرت حين دمرت الحرب مسيرته الكروية وحرمته من شقيقه وشقيقته.

انطلقت "بطولة الأمل" لمواليد 2009 لترسم لوحة سريالية؛ صغار يركضون بقمصانهم الملونة فوق أرضياتٍ تحدت القصف

قبل الإبادة، كانت ملاعب القطاع تضج بالحياة في مختلف الألعاب من السباحة إلى الكاراتيه والتايكوندو، لكن الواقع اليوم تبدل؛ فالملاعب التي كانت تعج بالجماهير أصبحت ركاماً أو مراكز إيواء للنازحين، بينما يحاول فروانة وزملاؤه استعادة هويتهم الرياضية من فوق تلك الأنقاض الموحشة.

يستذكر فروانة بمرارة كيف توقفت عقارب الساعة عن الدوران في عالم كرة القدم لقرابة عامين، قضاها بين خيام النزوح وفقدان الأحبة، حيث استشهد شقيقه وشقيقته والعشرات من أقاربه في غاراتٍ لم ترحم أحداً، لكنه قرر النهوض مجدداً من بين مآسيه الشخصية والوطنية.

يقول فروانة إن انضمامه للبطولة فور إعلان اتحاد الكرة عنها كان طوق نجاةٍ انتشله من حالة اليأس والضياع، فالميدان بالنسبة له ليس مجرد مساحة للعب، بل هو ساحة لاستعادة الذات وإثبات أن الموت لا يمكنه أن يهزم شغف الحياة المتجذر في قلوب الغزيين.

هذه العودة تكتسب أهميتها القصوى من المقارنة مع واقع ما قبل الإبادة، حين كانت غزة تشهد حراكاً رياضياً لا ينقطع، بأجندة سنوية رسمية ومنظمة، بإشراف اتحادات كانت تكتشف المواهب وتصقلها لتمثيل فلسطين في المحافل الدولية، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة والحصار الإسرائيلي آنذاك.

اليوم، تحاول هذه المنظومة النهوض من تحت الأنقاض بعد أن وثقت اللجنة الأولمبية ارتقاء 1007 شهداء من الحركة الرياضية والكشفية، بينهم 45 سيدة، وتدمير 265 منشأة رياضية تحولت في معظمها إلى تلالٍ من الركام أو ملاذاتٍ للبؤس والفقر بعد فقدان كل مقومات الحياة.

ويشرح مصطفى صيام، مسؤول الإعلام بالاتحاد، أن العودة التدريجية للنشاط هي رسالة وطنية وإنسانية ورياضية مفادها أن الشباب الفلسطيني قادر على النهوض من تحت الخيام لممارسة حقه في كرة القدم أسوة بكل شعوب العالم، رغم ما عاشه هؤلاء اللاعبون من وجع.

وثقت اللجنة الأولمبية ارتقاء 1007 شهداء من الحركة الرياضية والكشفية، بينهم 45 سيدة، وتدمير 265 منشأة رياضية

ويؤكد صيام أن البطولات الحالية، سواء لفئة الناشئين أو الكبار، أعادت الحياة للحكام والمدربين واللاعبين الذين فقدوا مقرات أنديتهم، وشكلت حالة من التكامل النفسي والاجتماعي الذي يسعى الاتحاد من خلاله لمداواة جراح الحرب عبر الرياضة وتفريغ الطاقات السلبية الناتجة عن العدوان.

هذا الأمل امتد ليشمل الرياضيات الفتيات اللواتي وجدن في عودة النشاط فرصة لاستعادة بريقهن المفقود، حيث تعبر تالا موسى، لاعبة نادي المشتل، عن سعادتها الغامرة بالعودة للمستطيل الأخضر بعد أن ظنت لوقت طويل أن أحلامها الرياضية قد تلاشت وتبخرت إلى الأبد تحت الأنقاض.

تالا التي كانت تحلم بالنجومية والاحتراف قبل الحرب، ترى أن العودة التدريجية للبطولات تمنحها بصيصاً من الضوء في نهاية نفق الإبادة المظلم، مؤكدةً أن الإرادة الفلسطينية ستبقى دوماً أقوى من آلة التدمير، طالما بقيت الكرة تتدحرج فوق التراب وتعلنه ملعباً للحياة لا للموت.