قطاع غزة:
تحت سماء مخيم الشاطئ التي تغشاها غبرة الأنقاض، يقف عدي صبري، الشاب الذي لم يتجاوز ربيعه الحادي والعشرين، فوق ركام منزل مدمر تمامًا، يراقب بعينين حذرتين ذراع حفاره المتهالك وهي تنبش في أحشاء الركام.
لا يبحث الشاب عن حديد لإعادة تدويره أو حصى لبيعه، بل يطارد بقايا جثامين ثلاث عائلات انتزعت أرواحهم في غارة إسرائيلية وقعت في الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول عام 2025.
يقود آليته الضخمة بحذر مفرط؛ فهاجسه الأكبر هو انتشال الجثامين من تحت أطنان البناء دون أن يمسها بسوء، باحثًا خلف زجاج مقصورته المهشم عن أي تفصيل صغير، طرف ثوب أو بقايا عظم، ينهي به رحلة الانتظار المريرة لمن نجا من عائلاتهم.
لا بد من الإشارة هنا، أنه ومن بين أكثر من 70 ألف شهيد، لا يزال 10 آلاف تحت الأنقاض، في مهمة مستحيلة لجهاز الدفاع المدني الذي فقد معظم معداته.
قبل الإبادة، كان عدي يعيش في حي "الثلاثيني" وسط مدينة غزة، ذلك الحي الذي يشتهر بأنه منبع سائقي المعدات الثقيلة، هناك، ومنذ طفولته، فُتن بقوة الآلات أدارها معظم رجال الحي، ومن بينهم شقيقه الأكبر.
وفي سن الـ15، اتخذ قرارًا مصيريًا بترك مقاعد الدراسة والالتحاق بـ "قادة الحفار"، رافق سائقًا محترفًا لسنوات، وظلت عيناه تراقب بذهول حركة اليدين على عصي التحكم، والتفاف "الكف" الفولاذي، وقدرة الآلة الهائلة على الهدم.
يتذكر تلك الأيام قائلًا إن وجهته الأولى كانت في البناء والإعمار، مضيفًا: "شعرت بالفخر في كل يوم رأيت فيه فرحة الناس عندما نزيل بناء قديم متهالك، لأنهم كانوا ينتظرون إقامة بيت جديد يجمع شملهم بدلًا منه".
أما حين اندلعت حرب الإبادة الإسرائيلية في السابع من أكتوبر لعام 2023، كان عدي قد بدأ يشق طريقه كسائق واعد، لكن الحرب جمدت كل شيء، فنزح مع عائلته إلى خيمة متهالكة في شارع "النص" برفح، حيث عاش شهورًا طويلة بعيدًا عن مهنته.
ومع توقف الإبادة مؤقتًا في مطلع عام 2024، ظن أن الوقت قد حان للعودة إلى الإعمار، لكنه اصطدم بواقع انعدام المواد وانسداد الأفق، وبدلاً من بناء البيوت، وجد نفسه يبحث عن جثامين الناس، إذ لم تتهيأ له هذه الفرصة إلا بعد توقف الحرب في أكتوبر 2025، حيث توفر الوقود جزئيًا وتحركت المنظمات الإنسانية.
ولا بد من الإشارة هنا، أنه ومن بين أكثر من 70 ألف شهيد، لا يزال 10 آلاف تحت الأنقاض، في مهمة مستحيلة لجهاز الدفاع المدني الذي فقد معظم معداته.
بينما نراقب عدي من سطح منزل مجاور، يخرج من قمرته مرتديًا معطفًا رماديًا ليساعد "معلمه" زهير أبو عصر في صيانة الحفار الذي يعود لعام 1998، يمسح زهير الوقود المتسرب بخرقة بالية.
يقول زهير إنه يعمل على الآلية منذ عشرين عامًا، وطوال فترة الحرب، كان خوفه الأكبر أن يتم تدميرها، ليس لأنها آلة بل لأنه يعلم أن الناس سوف يحتاجونها لمثل هذه المهام لاحقًا، نتيجة التدمير المرعب الذي حلّ بالقطاع جرّاء الحرب.
يؤكد الرجل أن هذه الهمل، من أقسى ما يقدم عليه في حياته، ليس وحده بل كل من يُساهم فيه ويخيل له ماذا عاش الأهالي قبل استشهادهم، أو الذين ماتوا تحت الركام بانتظار من ينقذهم.
يعود عدي إلى مقعد القيادة، ويتقدم منه مصلح الأسود، رجل الدفاع المدني (35 عامًا)، ليقف بجوار "كف" الكباش مباشرة، يتبادلان إشارة صامتة بعيونهما، تعني ضرورة التوقف عن الحفر الميكانيكي والبدء باليدوي.
يبتعد عدي بالحفار، فيتقدم مصلح بمنشار كهربائي ليقص الحديد الصلب في عمود خرساني عجزت الآلة عن تفتيته، وفي هذه الأثناء، يلتقط الأوّل أنفاسه وسط الغبار، ويشتم رائحة طعام تنبعث من البيوت المجاورة التي عاد سكانها من الجنوب، ثم ينظر بأسى إلى الشاب "أنس"، الناجي الوحيد من عائلة أبو توهة، وإلى شاب آخر ينتظر جثامين عائلة شقيقه.
يعود صوت المعدن ليكسر المشهد، وتعود يد عدي لتتحكم في عصي التوجيه بدقة متناهية، وهكذا يستمر العمل حتى يرفع آذان الظهر من مئذنة "الجامع الأبيض" المهدمة، فيطفئ عدي المحرك، وينطلق الجميع للصلاة واحتساء القهوة في جو ربيعي بارد بفضل نسيم البحر القريب.
في هذه الوقفة، يتحدث عدي عن كواليس عمله، بأنه يتقاضى 60 شيكلًا كأجرة يومية، إلا أنها لم تكن الدافع له، موضحًا: "أنا أشعر أن هذا الركام يخصني أنا. كلما نبشت هنا، أتذكر ابن عمي تامر الذي استشهد وهو في الـ23 من عمره، وأتذكر أقاربي وجيراني".
أما حين اندلعت حرب الإبادة الإسرائيلية في السابع من أكتوبر لعام 2023، كان عدي قد بدأ يشق طريقه كسائق واعد، لكن الحرب جمدت كل شيء
يرى الشاب أنه من باب الواجب، أن يساهم ورفاقه باستخراج جثامينهم وإكرامها بالدفن، قبل أن يشير بيديه إلى منطقة مجاورة قائلًا: "في هذا المربع الصغير فقط، لا يزال هناك سبعة شهداء، ومعظمهم من الأطفال".
في المساء، يعود عدي بجسد منهك إلى بيته المتضرر، تنتظره أمه، تحاول أن تجره للحديث لعل ذلك يخفف عنه وعنها، لكنه يُضل الصمت، ويخفي عنها كل اللحظات المرعبة؛ لا يخبرها عن الجدار الذي كاد يسقط فوق قمرته، ولا عن الأرض التي كادت تبتلع الحفار، ولا عن مشهد انهيار أم حين رأت جثة ابنها تخرج مع تراب الكباش.
يختصر كل ذلك بكلمة واحدة تعبر عن حاله بلهجته الغزاوية "ما بقول إلها الصافي"، ثم يخلد إلى نومه بعد قراءة المعوذتين، كفرصة وحيدة للهروب من كوابيس لا تفارق مخيلته.
