بإبرةٍ وخيط تحرس "آلاء "بيتاً من صور
تاريخ النشر : 2026-04-28 13:24

تغرز الإبرة في القماش بحركةٍ تعرفها جيداً، غرزةٌ تتبعها غرزة، وحرفٌ يتبع حرفاً، حتى يتشكّل الاسم على القماش كأنه يُولد من جديد.

حين ترفع آلاء العرابيد رأسها عن مشغولها، تجد صدر الخيمة مفتوحاً على وجوه أحبتها الذين غابوا؛ مها، ميرا، جوان، ليان، ومحمود، صورٌ معلّقة في صدر الخيمة كأنها القبلة التي تستقبلها كل صباح وتُودّعها كل مساء، وأعينٌ تنظر إليها من خلف الزجاج بفرحٍ لا تعرف كيف أصبح مجرد ذكرى.

 تُحادثهم بصوتٍ هادئ لا يسمعه أحد سواها، وكأن الغياب مجرد سوء فهم، وكأن الخيمة الضيّقة، بجدرانها القماشية وهوائها الثقيل، هي البيت الوحيد الذي يجمعهم جميعاً الآن.

لم تكن آلاء تعرف، حين خرجت في الثامن عشر من مارس من عام 2025 مع بناتها الأربع نحو السوق، أن تلك الجولة الصغيرة ستكون آخر ما تحمله ذاكرتها من فرحٍ حقيقي، كانت تريد كعكةً لعيد ميلاد ابنتها الصغرى جوانة — وفي غمرة الاستعداد للاحتفال، أدركت أنها أخطأت التاريخ، فعيد ميلاد جوانة كان في الثاني عشر من الشهر، لا في الثامن عشر، وقفت أمام البائع وهي تطلب منه كتابة الاسم على الكعكة، وقالت: "مش عارفة إيش اللي خلاني أنسى تاريخ ميلادها" لم تكن تعرف آنذاك أن ثمة ما هو أقسى بكثير لن تنساه مدى الحياة.

في طريق العودة، كانت البنات يركضن أمامها بفرحٍ لم تعهده فيهن من قبل — هكذا تصفه آلاء كلما استرجعت تلك اللحظات، كأن الفرح كان يعرف أنه يودّعهن فأغدق عليهن في آخر لحظاته معهن.

 كانت آلاء تتحدث مع ابنتها الكبرى كصديقة، يتسامرن في طريقٍ لم تكن إحداهما تدري أنه الطريق الأخير.

وحين وصلت إلى البيت، دفعت باب غرفتها مسرعةً، وهي لا تزال تحمل بقايا ابتسامة من الطريق، متشوقةً للانتهاء من ترتيب حاجيات عيد الميلاد، والاستمتاع بفنجان من القهوة على طاولة صغيرة شهدت صباحات الأسرة وأحاديثها التي لا تنتهي، كانت تسمع خطوات بناتها في الغرفة المجاورة، وضحكاتهن تتسرب من تحت الباب، ثم حدث الانفجار، وحل الظلام.

ستة صواريخ أطلقتها طائرات الاحتلال أسقطت كل شيء في آن؛ الجدران والسقف والضحكات والخطوات والرائحة والقهوة التي لم ترتشفها، تحوّل البيت الذي كان يضج بحياة أربع بناتٍ ووالديهم إلى صمت ينبئ أن كل شيء انتهى قبل أن يدرك أحدٌ ما حدث.

فتحت عينيها على مكانٍ لا تعرفه، وسألت بصوتٍ ما زال يحمل أثر الصدمة: "وين أنا؟ شو صار، وين بناتي؟" سؤالٌ لم يجرؤ أحد على الإجابة عنه في الأيام الخمسة الأولى، كانوا يُخبرونها في كل مرة تسأل عن زوجها وبناتها بأنهم بخير، وهم يعرفون أن الخبر الحقيقي قد يُودي بما تبقّى منها، لكن إصرارها على رؤيتهم كان أقوى من أي مبررات، ما أجبر والدها على إخبارها بأنها فقدتهم جميعاً في لحظة واحدة، ليكون ردها، سكينة وطمأنينة ودعوات لهم بالرحمة ولها بالصبر على الابتلاء.

خمس عمليات جراحية أنقذت عينها ويدها وقدمها، لكنها لم تُنقذ أصبعين من يدها اليسرى ذهبا مع كل ما ذهب تلك الليلة، وحين خرجت من المستشفى، خرجت إلى خيمة.

في تلك الخيمة التي لا تتسع لأكثر مما تحمله، أعادت آلاء ترتيب العالم على طريقتها الخاصة؛ علّقت صورهم في صدرها كأنها تُقيم لهم بيتاً في المكان الوحيد المتاح، وراحت تُحادثهم كأنهم لم يغادروا،

وحين يصمت الكلام، تتكلم الإبرة، تمسكها آلاء بأصابعها الثلاث الباقية، وتغرزها في القماش غرزةً غرزة، تطرّز أسماءهم بخيطٍ لا يعرف النسيان، مها، ميرا، جوان، ليان، ومحمود، الاسم على القماش لا يُشبه الاسم على شاهد القبر؛ هذا اسمٌ تصنعه يدٌ تُحب، في خيمةٍ تحاول أن تكون بيتاً، في ليلٍ يطول اشتياقاً لضجيج الأحبة.

تجلس لساعاتٍ تُقلّب الصور وتسترجع ما كان، في محاولةٍ لإكمال طريقٍ انقطعت أوصاله لكنها تُكمله رغم ذلك، غرزةً غرزة، كأن الإبرة وحدها تعرف كيف تُخيط ما شقّه الصاروخ.