يجلس إبراهيم أبو ظاهر كل يوم أمام شاشته في أحد الكافيهات القريبة من منزله، في حي الشيخ رضوان شمالي غزة، يصمم ويُنتج لشركات عربية لا تعلم شيئًا عن الثمن الذي يدفعه كي يصلها عمله، ليس الثمن وقتًا أو جهدًا فحسب — بل ثلث راتبه الشهري كاملًا!.
الحساب لا يتوقف هنا؛ يُلزمه صاحب المكان بشراء مشروب يومي بخمسة شيكل على الأقل، ليرتفع إجمالي ما يدفعه إلى 450 شيكلًا شهريًا أو أكثر.
يحصل إبراهيم على راتب قيمته 450 دولارًا، ما يعادل نحو 1350 شيكلًا، يذهب منها 300 شيكل شهريًا لصاحب الكافيه مقابل أربع ساعات يومية من الكهرباء والإنترنت، لكن الحساب لا يتوقف هنا؛ يُلزمه صاحب المكان بشراء مشروب يومي بخمسة شيكل على الأقل، ليرتفع إجمالي ما يدفعه إلى 450 شيكلًا شهريًا أو أكثر.
يقول لـ"نوى" إنه حاول أكثر من مرة التفاوض مع صاحب المكان لإلغاء شرط شراء المشروب بسعر مرتفع، إلا أن الأخير رفض، مبررًا ذلك بأن الجلوس في المقهى يجب أن يكون مقابل شراء مشروب، إضافة إلى الدفع مقابل الكهرباء والإنترنت، ويلفت الشاب أن الذهاب إلى مساحة عمل أو مقهى آخر لا يفرض شراء مشروب يومي يتطلب استخدام وسائل نقل ذهابًا وإيابًا، موضحًا أن ذلك "مكلف ماديًا ويحتاج إلى وقت وجهد، في ظل ندرة المواصلات والمركبات"، ما يضطره للاستمرار في العمل داخل المقهى القريب من مكان سكنه.
على بُعد كيلومترات، في مخيم جباليا شمالي القطاع، تعيش مريم أبو العيش المعاناة ذاتها، إذ تقيم في أحد مراكز الإيواء، وتعمل في تطوير مواقع الويب، لكن صاحب مساحة العمل التي ترتادها يُلزمها يوميًا بشراء بطاقة إنترنت مدتها 12 ساعة في حين لا تحتاج منها سوى ثلاث ساعات للعمل، تقول لـ نوى :" طلبت منه أكثر من مرة أن يبيعني باقات أقل تكفي وقت عملي، لكنه كان يرفض"، مشيرةً إلى أن بُعد مركز الإيواء عن قلب المدينة — حيث تتوفر خيارات أوسع — يجعلها مضطرة للتعامل معه دون البحث عن خيار آخر,
تؤكد مريم أن معاناتها ليست استثناءً، بل قاعدة يعيشها عشرات الشباب والشابات في غزة يوميًا؛ أصحاب أعمال حرة يحتاجون الكهرباء والإنترنت ليعملوا، فيجدون أنفسهم أمام أصحاب كافيهات يستغلون حاجتهم ويفرضون شروطًا بتكلفة باهظة لا يملكون رفضها.
أطلقت مؤسسة "فلسطينيات" منذ بداية الحرب مبادرة لإنشاء محطات عمل مجانية تستهدف الصحفيات في جنوبي القطاع، توفر فيها الكهرباء والإنترنت
في مواجهة هذا الاستغلال، لم تنتظر بعض المؤسسات المجتمعية والإعلامية طويلًا، أطلقت مؤسسة "فلسطينيات" منذ بداية الحرب مبادرة لإنشاء محطات عمل مجانية تستهدف الصحفيات في جنوبي القطاع، توفر فيها الكهرباء والإنترنت وكل ما يلزم لإتمام العمل بلا مقابل.
تقول الصحفية براء لافي لـ "نوى" إن "محطات عمل فلسطينيات التي بدأت في رفح وانتقلت بعدها للوسطى وخان يونس وفرت لها فرصة مميزة لإتمام أعمالها الصحفية بعيداً مساحات العمل والكافيهات المكلفة مادياً".
بدأت براء في محطة رفح حين أنشئت ثم تنقلت ما بين دير البلح وخانيونس، حيث أطلقت المؤسسة محطات مماثلة في كلتا المحافظتين، لافتة أن "مثل هذه المبادرات يساهم بشكل كبير في تقديم الأعمال بشكل سلس وجيد للوكالات الصحفية والمؤسسات التي نعمل بها".
