قطاع غزة:
تجلس أيلا النمنم، ابنة الاثني عشر عامًا، تتحسس بيأسٍ أثر قذيفةٍ استقرت في عينها اليمنى وأطفأت نورها للأبد. تحاول الصغيرة التمسك بآخر خيوط الضوء في عينها اليسرى المهددة، بينما يثقل الحزن وجهها بعدما سرقت حرب الإبادة والديها خلال أشهرٍ قليلة، لتجد نفسها وحيدةً في مواجهة فكي اليتم والعتمة.
بدأت فصول الوجع حين استيقظت الأم لتحضير إفطار أطفالها الأربعة، لكن قذيفةً استبقت نضوج الطعام وحوّلت البيت ركامًا. تروي الجدة "أم تامر" بمرارة: "استشهدت الأم فورًا أمام صغارها، وأصيب الجميع، وكان نصيب أيلا وشقيقها إبراهيم الأقسى بفقد أعينهما، لينتهي ذلك الصباح بيتمٍ مضاعف وجراحٍ استوطنت أجسادهم الغضة".
لم يعد الصباح للطفلة وشقيقيها كما كان؛ فقد تبدلت ملامحه برحيل والدتهم أمام أعينهم، بعد فاجعة فقدان الأب بوقت قصير. وجدت الصغيرة نفسها مكبلةً بواقع قاسٍ، وهي التي كانت تحلم بضفائر المدرسة ودفاتر الرسم، لكن النيران لم تلتهم جدران بيتها فحسب، بل أحرقت معها أحلامها وبراءتها المعهودة.
لم تتوقف المعاناة عند فقدان العين الأولى، بل يمتد الخطر لعينها اليسرى حيث تستقر شظية يصعب استخراجها.
اليوم، تعيش الصغيرة مع شقيقيها في رعاية جدتهم التي تلملم ما تبقى من حطام طفولتهم. ومع ذلك، لم تتوقف المعاناة عند فقدان العين الأولى، بل يمتد الخطر لعينها اليسرى حيث تستقر شظية يصعب استخراجها، واضعةً مستقبل الطفلة في مهب الريح وسط عجز طبي تام داخل قطاع غزة المكلوم.
تصف أيلا وجعها المستمر منذ عام ونصف: "أمي رحلت، وعيني اليمنى فُقدت، والأطباء أخبروني أنني بحاجة لعملية عاجلة لإنقاذ عيني الأخرى". تحتاج أيلا للسفر فورًا، لكن المواعيد غائبة والانتظار يزيد آلامها، فيما تخشى مداهمة الظلام الكامل وهي لا تزال هنا، تنتظر اتصالًا يطلب منها الاستعداد للرحيل لكنه لم يأتِ.

تتحدث الجدة عن تفاصيل الحياة اليومية المثقلة بالخوف، مؤكدة أن الأمور باتت معقدة؛ فأيلا تتعثر في مشيتها وتسقط الأشياء من يدها دون قصد. كما تتهيج عينها سريعًا من ضوء الشمس وتدمع قسرًا، وسط خشية الجدة من ضياع ما تبقى من بصرها وهم ينتظرون خلف أبواب السفر الموصدة.
رغم حصول العائلة على تحويلة طبية أشعلت بصيص أمل في قلوبهم، إلا أن الأيام تمضي ثقيلة دون استجابة. بقيت الطفلة وشقيقها المصاب معلقين بين محاولة النجاة وانتظارٍ ينهش روحهما، في وقت يحتاج فيه هؤلاء الأيتام لحضنٍ طبي يرمم أجسادهم التي مزقتها القذائف، ويعيد صياغة حياتهم التي توقفت هناك.
تضيف الجدة بغصة أن المعاناة تجاوزت الإصابة إلى "تنمر" يلاحق أيلا في محيطها، ما يدفعها للانعزال داخل المنزل لأيام طويلة. تنهش الكلمات القاسية ثقتها، فتفضل الصمت والتواري خلف الخيمة التي تغطي جرحها، بدلاً من مواجهة عالم لا يرى عمق مأساتها، ولا يدرك حجم الرعب الساكن في مقلتها الوحيدة.
المعاناة تجاوزت الإصابة إلى "تنمر" يلاحق أيلا في محيطها، ما يدفعها للانعزال داخل الخيمة لأيام طويلة
تختم الجدة حديثها بلهجة مثقلة بالأمل: "لقد فقدوا السند والبيت، لكن أملنا أن يُمنحوا فرصة للعلاج بالخارج كغيرهم من أطفال العالم"، فهذه صرخة طفلة لا تطلب المستحيل؛ بل تريد فقط استعادة حقها في رؤية طريق مدرستها بوضوح، وأن تلعب مع أقرانها دون خوفٍ من عتمةٍ دائمة تتربص بها.
