قلبٌ واحد لخمسة عشر يتيمًا.. الجد بركات حارس الطفولة
تاريخ النشر : 2026-04-23 19:14

قطاع غزة:

يجلس الحاج بركات البع على طرف حصيرة مهترئة، يسند ظهره المحني إلى جدارٍ بارد في مركز نزوح، فيما تتقاطع خطوط وجهه السبعيني لترسم خارطة من التعب والفقد، فيما يده المرتجفة بفعل مرض القلب لا تتوقف عن العبث بمسبحة قديمة، وعيناه لا تغادران وجوه 15 طفلًا يتراكضون في مساحة ضيقة.

الصغار هؤلاء هم كل ما تبقى له من "عزوة" بعد أن نهبت الحرب زينة بيته، في مشهده هذا، يبدو الرجل كقلعة قديمة تصد الريح عن صغارها، رغم أن حجارتها تتساقط يومًا بعد يوم.

بدأت الحكاية من بلدة بيت حانون في شمالي قطاع غزة، التي كانت عامرة قبل أن تجبرهم آلة الإبادة الإسرائيلية على النزوح القسري، وبالطبع لم يكن النزوح مجرد رحيل عن جدران، بل كان تمزيقاً لنسيج العائلة.

استشهد تامر، وبقيت رائحة الخشب المحروق في ذاكرة والده غصة لا تنتهي، ولم تكد تمر أشهر قليلة حتى جاء الخبر الفاجع الثاني: صهره "يوسف".

يروي الحاج بركات وعيناه تغرورقان بدمعٍ يأبى السقوط: "خرج تامر ابني ليبحث عن بصيص أمل، مجرد أخشاب وحطب ليطهو طعامًا لأطفاله الجوعى، لكن طائرات الاحتلال لم تمنحه وقتًا ليشعل النار؛ استهدفته وهو يحمل الحطب بين يديه".

استشهد تامر، وبقيت رائحة الخشب المحروق في ذاكرة والده غصة لا تنتهي، ولم تكد تمر أشهر قليلة حتى جاء الخبر الفاجع الثاني: صهره "يوسف"، الذي احتمى بمدرسة ظنها آمنة، استُهدف أثناء محاولته النزوح جنوبًا، ليلحق بتامر تاركًا خلفه ثمانية أطفال آخرين.

فجأة، وجد الحاج السبعيني نفسه مسؤولًا عن "كتيبة" من الأيتام، أكبرهم لم يبلغ الرابعة عشرة، وأصغرهم طفلة في الثالثة لا تدرك من الدنيا سوى أن "بابا غاب ولم يعد".

في زاوية الخيمة، تقترب حفيدته الصغيرة، تشد ثوبه وتهمس في أذنه بكلمات ربّما تكون أقسى من صوت الرصاص: "سيدي، بابا إجاني في الحلم، وأعطاني عروسة وفستان". ينحني الجد، يقبل يدها الصغيرة التي جففها النزوح، وكأنه يطلب منها الصفح عن عالمٍ حرمها من أبٍ يمسك يدها في الحقيقة.

يقول بصوت مخنوق: "الابن قطعة من القلب.. أنا أتذكر تامر ويوسف في كل صلاة، الصبح والظهر والمغني.. أراهما في عيون الصغار، كل واحد فيهم بيشبه أبوه في ضحكة أو نظرة".

وجد الحاج السبعيني نفسه مسؤولًا عن "كتيبة" من الأيتام، أكبرهم لم يبلغ الرابعة عشرة، وأصغرهم طفلة في الثالثة لا تدرك من الدنيا سوى أن "بابا غاب ولم يعد".

لا تتوقف مأساة الحاج بركات عند الفقد، بل تمتد لتفاصيل البقاء اليومي، فبينما يصارع هو مرض القلب الذي يجعله يلهث خلف كل خطوة، تعاني زوجته بجانبه من فشل كلوي ينهك جسدها الضعيف. وسط هذا العجز، يتحول "رغيف الخبز" إلى حلم بعيد المنال.

يتحدث بمرارة: "أحيانًا يطلبون أشياء بسيطة، مجرد خبز، وعندما أعجز عن توفيره أشعر أنني أكسر قلوبهم بيدي.. أنا الذي كان يجب أن أكون سندهم، أصبحت عاجزًا حتى عن سد جوعهم".

في كل مرة تشتعل فيها نار للطبخ، يتذكر الجد ابنه الذي رحل وهو يحاول إشعالها، فتتحول النار إلى وجع ثقيل. ومع ذلك، يصر بركات على أن يبقى "البيت الأخير" لهؤلاء الأطفال؛ يضمهم تحت جناحيه في رحلة نزوح لا تنتهي، يخفي خلف كتفيه المتعبتين خوفهم، ويحاول أن يمنحهم طمأنينة سُرقت منهم قسرًا.

يحاول "بركات" أن يغالب تعبه ليظل واقفًا، وأطفالٌ يكبرون في ظل غياب لا يفهمونه، لكنهم يقرأونه كل يوم في عيني جدهم اللتين ترويان حكاية شعبٍ يُقتل، إلا أنه يرفض أن يترك صغاره للريح وحدهم، هي حكاية الصمود في أبسط صوره، وأكثرها وجعًا.