بين مخالبِ الاستيطان وعروق الزعتر.. نساءٌ يرسمنَ حدودَ الوطن
تاريخ النشر : 2026-04-21 19:02
صورة تعبيرية

الضفة الغربية:

تحت ضوءٍ باهتٍ يتسلل من نافذة غرفتها الصغيرة، تجلس منال عودة (39 عاماً) محاطةً بجبالٍ من خضرةٍ يابسة، فيما يداها اللتان تشققتا بفعل فصول الجبل، لا تتوقفان عن ممارسة طقسٍ يوميٍ يشبه الصلاة؛ تفرك أعواد الزعتر برفقٍ وحزم، فيتطاير غباره الأخضر ليرسم هالةً حول وجهها المتعب والمبتسم في آن.

خلف النافذة تماماً، تلمع أسلاك المستوطنة الشائكة تحت الشمس، لكن منال لا تلتفت إليها؛ فهي مشغولةٌ بتعبئة "رائحة الأرض" في أكياسٍ صغيرة، كأنها تحرز نصرًا يوميًا في معركة البقاء الصامتة.

الأمر ليس مجرد زراعة وقطاف، بل صار إدارةً تنموية شاملة تقودها الجمعيات النسائية والمبادرات الفردية

هذا المشهد في أرضها الواقعة بشمال الضفة الغربية، يختصر حكايةً أكبر لنساءٍ فلسطينيات قررن استرداد دورهن القيادي في حماية الأرض، محولاتٍ الزعتر من مجرد "طبق" على المائدة إلى قطاعٍ اقتصاديٍ يحمل ملامحهن.

لم يعد الأمر مجرد زراعة وقطاف، بل صار إدارةً تنموية شاملة تقودها الجمعيات النسائية والمبادرات الفردية، لتصاغ كل حزمة زعتر كرسالة تحدٍ للواقع الاقتصادي الخانق، وتأكيداً على أن السيادة على الرغيف هي أولى عتبات الحرية.

حكاية أولى خطواتها غرس الأشتال الغضة في تربة الجبال والوديان، أو حتى في "حواكير" البيوت الصغيرة، ومع انبلاغ خيوط الفجر، تخرج النساء إلى حقولهن بجرأةٍ تكسر وحشة الحواجز، يجمعن المحصول ويقررن مصيره؛ فمنهن من تبيعه أخضر طازجاً للمارة والأسواق، ومنهن من اختارت الطريق الأصعب: التصنيع.

تبدأ العملية بقص الأغصان، تجفيفها، ثم فرزها بعناية من الشوائب، وصولاً إلى طحنها وخلطها بالسمسم المحمص والسماق البلدي، لتخرج في عبواتٍ تحمل هويتهن كمنتجاتٍ لا تعرف الهزيمة.

منال، التي بدأت مشروعها بـ"دونم" واحد من أرض عائلتها التي كاد الإهمال والمصادرة يبتلعانها، تروي كيف تحول الزعتر من محاولة للاكتفاء الذاتي إلى استثمارٍ حقيقي، قائلة إنها زودت أرضها بنظام ري حديث، وحولتها إلى حقلٍ نموذجي.

وتضيف بأنها لم تعد تكتفي بالبيع المحلي، بل طرقت أبواب العالم الافتراضي، مستخدمةً منصات التواصل الاجتماعي والمعارض المحلية لتسويق تعبها.

وتتابع بحرقةٍ ممزوجة بالفخر: "في كل مرة ألمس فيها الزعتر، أشعر أنني أثبّت وتدًا في هذه الأرض، فالزعتر ارتباط، وحماية لنا من غول الاستيطان الذي يحيط بنا".

في كفةٍ أخرى من الحكاية، تبرز مبادراتٌ نسوية تنظم هذا الجهد وتخرجه من إطاره الفردي إلى العمل الجماعي. باسمة ظاهر، الناشطة ومديرة إحدى الجمعيات النسائية، ترى في هذه المبادرات وسيلةً فعالة لكسر قيود البطالة.

وتوضح أن استثمار دونمين من الأرض بالزعتر كفيلٌ بفتح بيتٍ وإعالة أسرة، لكنها في الوقت ذاته لا تخفي مرارة التحديات، فالسوق، كما تحدثت لـ"نوى"، لا ينصف الجودة دائماً؛ إذ تكتسح المنتجات الرخيصة والمغشوشة التي تُخلط بالأغصان الجافة والمواد الرخيصة الرفوف، مما يضرب قدرة النساء على المنافسة ويحرمهن من عائدٍ ماديٍ يتناسب مع حجم عرقهن المبذول في التسميد والتعشيب والري.

المهندسة ليلى سالم: "زراعة الزعتر هي شكل من أشكال المقاومة، ففي اللحظة التي تزرع فيها المرأة أرضها"

المهندسة الزراعية ليلى سالم تذهب بعيداً في قراءة هذا المشهد، معتبرةً أن زراعة الزعتر هي شكل من أشكال المقاومة، ففي اللحظة التي تزرع فيها المرأة أرضها، هي تمنع تحويلها إلى "أرض بور" تسهل مصادرتها من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

وترى أن هذا النوع من المشاريع يعزز "السيادة الغذائية"، ويقلل التبعية للمنتج المستورد، كما يفتح بابًا لتمكين المرأة اقتصاديًا، رغم كل الحواجز التي تكن بصعوبة الوصول إلى الأسواق، وارتفاع تكاليف الإنتاج، إضافة إلى القيود التي يفرضها الاحتلال على الحركة بالضفة الغربية.

في نهاية المطاف، تتفق النساء على أن الزعتر في الضفة الغربية يمثل حكاية "ذهب أخضر" لا ينطفئ بريقه، بل إنه رمز للهوية التي تُؤكل وتُزرع وتُباع بكرامة، ومع كل كيس زعتر يخرج من أيدي نساء فلسطين، يرتفع صوتٌ يخبر كل من يمر بأن هذه الأرض حية، وأن رائحة الزعتر ستظل دائماً أقوى من كل محاولات المحو والتغييب.