قطاع غزة:
في مركز متواضع، تُمرِّر نور النملة أصابعها على قطعة قماش قبل أن تُسلِّمها لإحدى المتدرّبات، وتقول دون أن ترفع رأسها: "هنا بدأنا من لا شيء تقريبًا"، فيما تتحرّك النساء حولها بين القصّ والخياطة ليتعلّمن تفاصيل مهنةٍ صارت بالنسبة لهن "حياة".
في هذا المكان، الذي استعاد عافيته بصعوبة، تحاول نور، ابنة الـ(29) عامًا، أن تجعل من خبرتها الشخصية فرصةً للمشاركة مع عشرات النساء النازحات المثقلات بالهموم، بعد سنواتٍ مرّت بطرقٍ وعرة تفجّرت مع التصعيدات الإسرائيلية وصولًا إلى حرب الإبادة.
بدأت القصة عام 2014، بمحلٍّ صغير أسّسته نور لتصميم الأزياء حسب الطلب، وعملت بإمكاناتٍ بسيطة، لأنه، وفق قولها، كان أكثر ما يهمها "نقطة البداية عشان أوقف على رجلي"، إلا أنه لم يصمد لسنواتٍ طويلة.
تعرّض المكان عام 2018 لأضرارٍ كبيرة نتيجة انفجارٍ قريب جرّاء تصعيدٍ إسرائيلي على غزة، ما أدى إلى خسارة الشابة لمحلها، إذ تصف: "كان الأمر قاسيًا، شعرت حينها أنني عدت إلى نقطةٍ أبعد من البداية".
نزحت نور من حيّ الصبرة تحت وطأة القصف الإسرائيلي الذي تسبّب باستشهاد والدتها، وتضاعفت حينها مسؤولياتها العائلية تجاه شقيقتيها من ذوات الإعاقة وأطفالها الثلاثة
دفعتها تلك الخسارة إلى البحث عن مسارٍ مختلف، فاتجهت عام 2020 إلى التدريب، "بلّشت أدرّب وأتعلّم بنفس الوقت، وكنت أحاول أرجع أثبّت حالي"، مشيرةً إلى أن هذه الخطوة كانت ضرورية لإعادة ترتيب حياتها.
غير أن هذا المسار تعثّر مجددًا مع الحرب في عام 2021، حين تراجع المشروع مرةً أخرى، ورغم محاولاتها الاستمرار عبر العمل حسب الطلب، إلا أنها بدأت تفكّر لاحقًا بمشروعٍ أوسع يقوم على تشغيل نساء في مجال الخياطة، لكن حرب الإبادة عام 2023 أوقفت كل شيء.
نزحت نور من حيّ الصبرة تحت وطأة القصف الإسرائيلي الذي تسبّب باستشهاد والدتها، وتضاعفت حينها مسؤولياتها العائلية تجاه شقيقتيها من ذوات الإعاقة وأطفالها الثلاثة، في وقتٍ أُجبرت فيه على الابتعاد عن عملها قسرًا لمدة عامين متتاليين، لكن الحاجة وشغفها دفعاها للاستمرار.
أسهمت الشابة في إنتاج نحو ألف قطعة، في خطوةٍ أعادت لها الإحساس بالقدرة على الاستمرار عبر مبادرة لتمكين النساء من تحسين أوضاعهن
وللعودة قصةٌ مُلهمة؛ ففي فترةٍ حرجة، بينما كانت نور على أعتاب ولادة طفلها، بحثت له عن ملابس فلم تجد نتيجة الحصار الإسرائيلي، فتقول: "صرت أخيط له بنفسي، وكذلك أساعد من حولي مع ازدياد الطلب على ملابس المواليد".
لاحقًا، وبالتعاون مع نساء أخريات، أسهمت الشابة في إنتاج نحو ألف قطعة، في خطوةٍ أعادت لها الإحساس بالقدرة على الاستمرار عبر مبادرة لتمكين النساء من تحسين أوضاعهن، ومع تحسّنٍ نسبي في الظروف أعادت افتتاح مركزها، رغم استمرار أزمات الكهرباء ونقص المواد الخام.
"بدأنا بأربع متدرّبات حتى وصلنا إلى العشرات، وتخرّجت 30 منهن، مع انضمام نحو 60 أخريات"، تقول نور، موضّحةً أن التدريب يشمل مهارات الخياطة والتصميم، إلى جانب أساسيات إدارة المشاريع.
وتؤكّد أن بعض المتدرّبات تمكّنّ من إيجاد فرص عمل بعد انتهاء التدريب، فيما تفيد هدى القريناوي، وهي إحدى المشاركات، بأن المركز منحها فرصةً للعودة بعد فقدان أدواتها ومصدر رزقها.
وتقول: "هنا، في هذا المكان، رجعت أشتغل وأطوّر حالي نتيجة التدريب الذي ساعدني على تحسين أعمالي وجعلها أكثر قابلية للتسويق".
أما سندس رباح (22 عامًا)، فتشير إلى أنها بدأت من الصفر تقريبًا، لكنها اليوم تمتلك أساسًا لمشروعٍ تحاول تطويره، رغم التحديات المرتبطة بتكاليف المواد.

وبين هذه التجارب، يتشكّل المركز كمساحةٍ تتجاوز حدود التدريب، ليصبح منصّةً لخلق فرصٍ جديدة في واقعٍ محدود الإمكانات، فيما تختصر نور رؤيتها بقولها: "حلمي أعمل مكان أكبر يفتح الطريق أمام كل فتاة لتبدأ من جديد، وتلاقي فرصة حقيقية تبني فيها مستقبلها بكرامتها واستقلالها".
