في رثاء الحدائق.. ماذا قالت نساء غزة؟
تاريخ النشر : 2026-04-19 11:02

"الحديقة أغلى من المنزل، ليتها بقيت ونصبتُ خيمتي بين الأشجار".. تقولها ماجدة، كمن يقارن بين شيئين لم يعودا موجودين أصلًا! البيت سقط، والحديقة دُفنت تحت ركامه، لكن الخسارات على عظمتها ليست متساوية، هكذا هو الحال في قطاع غزة جرّاء الإبادة الإسرائيلية

تنظر السيدة إلى ما تبقّى في ذاكرتها هناك حيث كانت حديقتها التي زرعت كل أشجارها بيديها على مساحة تقارب 750 مترًا، تقطف ثمارها لتكفي بيتها وتوزّع كل ما طاب منها على أحبابها، من البلح والليمون والزيتون، والتفاح، والبرتقال، والتوت.

تخبرنا بأن أشجارها هذه تجاوز عمر بعضها ربع قرن، تعرف أصحابها كما يعرفونها، فالحديقة كانت مسرحًا يوميًا لما يجري داخل الأسرة، حاضنتهم الدافئة والشاهدة على كل لحظات حياتهم بحلوها ومرّها.

تضيف: "كان أحفادي يقضون نهارهم بين الأشجار، فلا يدخلون البيت إلا للنوم. أقمنا فيها الكثير من الأفراح وجلسات المساء، كذلك احتوت كل أحاديثنا الطويلة، وحتى الصمت والتأمل كان له مكانه تحت الظل".

في آخر نزوح لها تحت حرب الإبادة، في مارس/آذار 2025، لم تُغلق باب منزلها كفرصة للوداع، وإنما تركت المكان على وعدٍ بالعودة، وحين عادت لم يكن هناك ما يُستعاد، تحت صوت الطائرات والطلقات النارية التي لا تتوقف، فبحثت عن الماء أولًا.

تتابع: "وجدت الماء وفتحت الخرطوم، ثم بدأت أسقي ما تبقّى من الأشجار واحدةً تلو الأخرى، كأنني أحاول إنعاشها"، منبّهةً إلى أنها لم تكن تشعر بالوقت ولا بالخطر إلا عند اشتداد الغارات من جديد.

طوال الشهور الأولى من الحرب، كانت الحديقة تؤدي ما هو أكثر من دورها، إذ لم تُطعم أصحابها فقط، بل امتدّت ثمارها إلى من مرّوا حولها من الأقارب والنازحين والجيران

ماذا عن إحساسك في تلك اللحظة؟ تجيبنا: "كنت أحس أن الأشجار تعاتبني.. لماذا تركتِني؟ ربما لو كان لها صوت لنطقت، لكن يا للأسف لم يكن باليد حيلة حينها".

طوال الشهور الأولى من الحرب، كانت الحديقة تؤدي ما هو أكثر من دورها، إذ لم تُطعم أصحابها فقط، بل امتدّت ثمارها إلى من مرّوا حولها من الأقارب والنازحين والجيران، فالجميع كان يجد شيئًا يُؤكل، كأن الأرض في ذروة الانقطاع كانت آخر ما يعمل.

"معلش.. رح أرجع أزرعها أحسن من أول"، تقولها ماجدة، دون أن يبدو واضحًا إن كانت تقنع نفسها أم تؤجل الاعتراف بالخسارة.

اليوم، تقع الأرض ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر شرقي مدينة خان يونس في جنوبي القطاع، وهي منطقة لا يمكن الوصول إليها، لكن ماجدة تتحدث عنها كذكرى مفتوحة داخلها،

اليوم، تقع الأرض ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر شرقي مدينة خان يونس في جنوبي القطاع، وهي منطقة لا يمكن الوصول إليها، لكن ماجدة تتحدث عنها كذكرى مفتوحة داخلها، تستعيد تفاصيلها بدءًا من شكل الغصن ورائحة الورق، وليس انتهاءً بصوت الماء.

في مكان آخر، كانت بسمة أبو ناصر ترى حديقة العائلة بطريقة لا تختلف كثيرًا، فهي جزء من بيت يضم ثلاث أسر، إلا أن حديقته واحدة تتسع لهم جميعًا، وفيها ربما كان يمكن احتمال الحرب قليلًا.

قبل الحرب، ضجّت الحديقة على مدار سنين بجلسات السمر واستقبال الضيوف ونقاشات العائلة، حيث الهواء يتحرك وظل الأشجار يُلطّف أجواء أصحابها الذين بإمكانهم نسيان كل همومهم فيها ولو مؤقتًا.

"اللي بزرع بيده، ما حدا بيجوّعه"، كان هذا قانون البيت قبل أن تسقط الأرض نفسها من المعادلة نتيجة الاستهداف الإسرائيلي.

في حي الصناعة غرب المدينة، لم تكن الحديقة مغلقة على أصحابها أيضًا، فخلال الحرب بقيت مفتوحة لمن احتمى بالمنزل ومن مرّ بالجوار، فبعضهم اعتنى بها وبعضهم اقتطف منها، ولم يكن ذلك يُزعج أحدًا، بل كانت تؤدي وظيفتها الطبيعية حتى وهي تحت التهديد.

تقول إن ما أوجعهم لم يكن تدمير الحديقة فقط، بل توقيته الذي جاء قبل الهدنة بساعات قليلة، فانتهى كل شيء عند تلك اللحظة، ودُمّر كل شبر في مساحة 300 متر، وكانت الأرض مزروعة بكل ما يُؤكل تقريبًا، من الحمضيات والجوافة والتمر الهندي والخضراوات بأنواعها.

"اللي بزرع بيده، ما حدا بيجوّعه"، كان هذا قانون البيت قبل أن تسقط الأرض نفسها من المعادلة نتيجة الاستهداف الإسرائيلي.

والدة بسمة، التي غادرت القطاع لأسباب صحية، لم تأخذ معها سوى قلقها عليها، أوصت أبناءها وبناتها بشدّة: "بس ترجعوا من الجنوب، ديروا بالكم على الحديقة"، قالتها قبل أن تبتعد، وكأن الأشجار تحتاج وصاية.

أما ازدهار أبو عيادة، في جحر الديك، فلم تحصل على فرصة وداع! أغلقت باب منزلها وخرجت على أمل أن تعود، وكحال معظم النازحين في قطاع غزة لم تعد، وحتى الصور التي كانت تحتفظ بها للحديقة اختفت مع تلف هاتفها، حيث لم يبقَ شيء يُرى.


تتحدث: "عندما تلف الهاتف ذهبت معه كافة الصور والذكريات ومناسباتنا السعيدة، فإشهار ابنتيَّ انطلق من الحديقة، وتمنيت لو أعلن زواج ابني الأكبر محمد منها".

عن حديقتها، تشير إلى أنها كانت في منطقة تعرف أنها على تماس دائم مع الخطر، فأشجار الزيتون التي يفوق عمرها عمر الاحتلال كانت تكفيهم من زيت الزيتون لعام كامل، لكنها أدركت أن هذا الامتداد الأخضر، تحديدًا، لا يُحتمل وجوده هناك أمام أعين الجنود المدججين بالأسلحة.

في بعض الأيام قبل الإبادة، حين كان الماء شحيحًا في قريتها، كان زوجها يجلب جالونين ويطلب الاقتصاد، كانت توافق، ثم تسقي الأشجار سرًا، ربما لم يكن ذلك قرارًا عقلانيًا بقدر ما كان انحيازًا لما تعتقد أنه يجب أن يبقى.

الآن، لا الأشجار بقيت، ولا الماء، ولا حتى المكان كما كان، وربّما تتشابه حكايا التعلّق بالحدائق، لكن ما يتكرر ليس فقط الفقد، بل هذا الإصرار الغريب على أن ما زُرع يومًا لن يختفي تمامًا، حتى لو اختفى من الأرض، وهذا عهد اتفقت عليه نساء غزة: "سوف نحيي حدائقنا مجددًا".