الانتخابات البلدية.. جيلٌ كاملٌ خارج التجربة!
تاريخ النشر : 2026-04-13 12:03

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تتصفح رفيف اسليم شاشة هاتفها بصمتٍ ثقيل، وتتابع أسماء القوائم المُرشحة للانتخابات البلدية في دير البلح، وسط قطاع غزة، وكأنها تنظر إلى حدثٍ لا ينتمي إليها.

وحدها تلك المدينة الصغيرة في وسط القطاع تحظى بفرصةٍ انتخابية، فيما تقف غزة بكل مدنها وقراها خارج المشهد، محرومة من حقٍ بدا يومًا بديهيًا.

منذ التاسع من نيسان/أبريل 2026م، انطلقت الدعاية الانتخابية في مئات الهيئات المحلية في الضفة الغربية، وإلى جانبها دير البلح كاستثناء وحيد في قطاع غزة، من بين خمسٍ وعشرين هيئة بلدية وقروية، أما باقي القطاع، فما يزال عالقًا في فراغٍ فرضته الحرب، حيث لا صناديق اقتراع ولا حبر أزرق ولا صوت يُدوَّن.

تقول رفيف، وهي في العشرينيات من عمرها: "شعرت بغصةٍ لا تشبه أي شعورٍ آخر. اعتدتُ أن تكون غزة في قلب الأحداث، أن تنطلق منها الفعاليات الكبرى، لكنها اليوم تراقب من بعيد".

تضحك وهي تستعيد نكات الغزيين عن تصدّر دير البلح للمشهد، ثم تستدرك: "نضحك على وجعنا"، وكأن الضحك هنا مجرد محاولة لتخفيف ثقل الحرمان.

لم يعد الأمر بالنسبة لها مجرد استحقاقٍ انتخابي مؤجل، بل سؤال عن العدالة في توزيع الحقوق، فالبلديات -كما تضيف- ليست ترفًا سياسيًا، بل خدمات يومية تمسّ الماء والطرق والنظافة، وتمتد إلى كل بيتٍ في غزة، من بيت لاهيا وبيت حانون شمالًا، إلى الشجاعية شرقًا، حيث تتداخل الحاجة مع الغياب الكامل لأي تمثيل.

تشعر رفيف أن جيلها بحاجة إلى فهم أعمق لمعنى المشاركة، وإلى مساحةٍ يتعلم فيها كيف يُمارس حقه قبل أن يُطلب منه ذلك.

تعيش رفيف اليوم في منزل جدها، بعد أن فقدت بيتها تحت القصف، وتدرك أهمية الانتخابات، لكنها تنظر إليها بعينٍ مثقلة برداءة الواقع. تعبّر بعفوية: "كأن يُطلب من مريضٍ خرج لتوّه من العناية المركزة أن يركض".

خلال عامين، لم تعبّر عن رأيها إلا في مظاهراتٍ رفضت الحرب، وأخرى رفضت قرارات سياسية، أما اليوم، فتشعر أن جيلها بحاجة إلى فهم أعمق لمعنى المشاركة، وإلى مساحةٍ يتعلم فيها كيف يُمارس حقه قبل أن يُطلب منه ذلك.

ترى أن الانتخابات، مهما بدت ضرورية، لن تغيّر شيئًا ما لم تصل الموارد إلى البلديات، وما لم تُرفع الأنقاض التي تملأ الشوارع، وتُعالج الأزمات التي تتكدّس في تفاصيل الحياة اليومية، ومع ذلك، لا تتخلى عن مطلبها في أن يكون للشباب مكانٌ في هذا المشهد، وأن يُعاد بناء وعيهم السياسي بعد أن تشكّل -في معظمه- عبر الشاشات وليس عبر التجربة.

وفي خيمةٍ غربي مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، يجلس قسام محسن، يراقب المشهد ذاته من زاويةٍ أخرى.

لقد فقد محيسن شقته كما كثيرين، لكنه لم يفقد اهتمامه بما يجري، فمنذ بلغ السن القانونية، لم يُتح له أن يشارك في أي عملية انتخابية، وكأن حقه ظل مؤجلًا إلى أجلٍ غير معلوم.

يقول: "الشعور بالحرمان لا يرتبط فقط بالانتخاب، بل بإحساسٍ أعمق بالإقصاء! حقٌ دستوري معطل هنا، وجيلٌ كامل نشأ خارج التجربة الديمقراطية، في ظل انقسامٍ سياسي وتعطّل مستمر للمؤسسات".

ورغم ذلك، يرى أن إشراك مدن القطاع كان سيمنح الهيئات المحلية شرعية، ويمنح الشباب شعورًا بأنهم جزء من هذا الكيان، لا مجرد متلقين لقراراته.

يؤمن قسام أن الانتخابات، حتى في ظل هذا الواقع القاسي، ممكنة، وأنها قد تُحدث فرقًا في إدارة الخدمات، إن لم تُحدث تغييرًا جذريًا في المشهد العام.

ينشغل قسام بإنهاء رسالة الماجستير، كمحاولةٍ وسط "هذا الانفلات العام" على حد تعبيره، ويؤمن أن الانتخابات، حتى في ظل هذا الواقع القاسي، ممكنة، وأنها قد تُحدث فرقًا في إدارة الخدمات، إن لم تُحدث تغييرًا جذريًا في المشهد العام.

لكن صوته لم يخلُ من الغضب عندما وجه رسالة حادة لصنّاع القرار: "الناس لو أُتيحت لهم الفرصة للانتخاب وخوض عملية الاختيار الطوعي لمن يمثلهم سيقبلون بكثافة، فالرغبة في المشاركة لا تزال حيّة، حتى وإن خُنقت لسنوات".

أما هبة الشريف، النازحة من رفح إلى خانيونس جنوبي القطاع، فتتحدث من ذاكرة مدينةٍ لم تعد موجودة كما كانت، وتقول: "الحرمان من الانتخابات ليس سوى امتدادٍ لفقدانٍ أكبر، فأنا لم تُتح لي فرصة المشاركة يومًا، وكأن هذا الحق كُتب عليه أن يبقى مؤجلًا في حياتي".

"التهميش الذي يطال جيلي لا يمكن فصله عن غياب الانتخابات، فالحرب رغم قسوتها، خلّفت أزمات يومية خانقة من النفايات إلى المياه، ومن القوارض إلى الأمراض".

وتضيف: "التهميش الذي يطال جيلي لا يمكن فصله عن غياب الانتخابات حتى في أصعب الظروف، فالحرب رغم قسوتها، خلّفت أزمات يومية خانقة من النفايات إلى المياه، ومن القوارض إلى الأمراض، وكلها تحتاج إلى صوتٍ يُعبّر عنها، وإلى جهةٍ منتخبة تتحمّل مسؤوليتها".

تدرك صعوبة إجراء الانتخابات في زمن الحرب، لكنها ترى فيها ضرورة لا يمكن تجاوزها، لا بوصفها إجراءً شكليًا، بل كمدخلٍ للنزاهة والمساءلة وبناء الثقة، وتؤمن أن البحث عن حلول لإجرائها هو جزء من مسؤولية من يملكون القرار، لا من يفتقدون القدرة على الفعل.

وتحمّل الشابة المستوى السياسي مسؤولية هذا الغياب الطويل، كما لا تعفي المجتمع من صمته، وبين هذا وذاك، يبقى جيلٌ كامل عالقًا خارج التجربة، يبحث عن حقه في أن يُسمع صوته، لا أكثر.