بصمة "حرب".. "شحنات كهرباء" في أدمغة أطفال غزة
تاريخ النشر : 2026-04-09 12:03
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في قطاع غزة، لا تأتي الأمراض دائمًا من الداخل، بل قد تولد من صوت قذيفة، أو مشهد فقد، أو شظية استقرت في الرأس وتركت أثرها في الدماغ.

خلال عامين من الحرب المتواصلة، لم تعد نوبات "الصرع"، أو ما يُعرف طبيًا بـ"زيادة الشحنات الكهربائية في الدماغ"، حالات نادرة بين الأطفال، إذ تتكرر المشاهد: فقدان وعي مفاجئ، تشنجات، شرود، وسلوكيات تتغير دون إنذار. خلف كل حالة، قصة صدمة، أو إصابة، أو كلاهما معًا.

يزن محمد البكري (15 عامًا)، من مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، يعاني من نوبات تشنج وارتفاع في درجات الحرارة منذ إصابته في الدماغ في مارس 2025م.

وتزداد حدّة حالته، كما يروي والده، كلما استعاد ذكريات والدته الشهيدة، إذ يدخل في حالة من الشرود الذهني يعقبها تشنج، ما يدفع والده إلى التعامل معه بعناية خاصة في ظل حساسية وضعه الصحي والنفسي.

يقول والده: "يعتمد يزن في علاجه على دواء "كيبرا" المخصص للتشنجات، لكنه نادرًا ما يتوفر بسبب أزمة نقص الأدوية في قطاع غزة. يتوفر أحيانًا في جمعية الهلال الأحمر، لكنه يغيب في كثير من الأحيان، ما يؤدي إلى تكرار النوبات لديه".

تعود إصابة يزن إلى تفتيت في عظام الجمجمة، خلّف آثارًا واضحة دفعته إلى ارتداء قبعة عند خروجه بسبب شعوره بالخجل من الندوب.

وبحسب الأطباء، يظل تحسن حالته احتمالًا قائمًا، لكنه مرتبط بتوفر العلاج والرعاية اللازمة، مع إمكانية استمرار معاناته مدى الحياة.

ويواجه يزن صعوبات في التركيز، إلى جانب معاناة نفسية واجتماعية، إذ يتعرض للتنمر من بعض زملائه في المدرسة، ما يسبب له توترًا وغضبًا متكررين.

وقد دفع ذلك والده إلى التنبيه المستمر لضرورة مراعاة حالته الصحية، مؤكدًا حاجة ابنه إلى تحويلة طبية لإجراء تدخلات جراحية مستقبلية بعد التئام عظام الجمجمة، في ظل واقع صحي صعب يعيق حصوله على الرعاية الكاملة.

"يقدَّر عدد المصابين باضطرابات مثل زيادة الشحنات الكهربائية في الدماغ بحوالي 159 ألف حالة".

ويوضح الدكتور عايش سمور، أخصائي أمراض الدماغ والأعصاب والطب النفسي، أن القطاع الصحي يواجه أزمة غير مسبوقة نتيجة الحرب، انعكست بارتفاع كبير في نسب الإصابة بين الأطفال، تتراوح بين 7% و10%، فيما تتجاوز نسبة الإصابات الدماغية 10% من السكان.

وبالنظر إلى عدد السكان البالغ نحو مليوني نسمة، يقدَّر عدد المصابين باضطرابات مثل زيادة الشحنات الكهربائية في الدماغ بحوالي 159 ألف حالة.

"نقص الأدوية يشكّل تحديًا كبيرًا، إذ لا يتوفر سوى عدد محدود جدًا من العلاجات، ما يضطر الأطباء إلى استخدام بدائل أقل فاعلية".

ويشير سمور إلى أن الأطفال يشكّلون نحو 60% من السكان، وأن كسور الجمجمة تمثل 3% من الإصابات، فيما تشكّل إصابات الرأس قرابة 5%، وهي الأخطر نظرًا لحساسية الدماغ وصعوبة تعويض أي ضرر يصيبه، "فأي تلف قد يؤدي إلى فقدان دائم في الوظائف"، موضحًا أن بعض الحالات قد تشهد تحسنًا خلال عام أو عامين نتيجة قدرة الدماغ على التعافي الجزئي، بينما تؤدي الإصابات الكاملة إلى أضرار دائمة تستقر بمرور الوقت.

ويؤكد أن نقص الأدوية يشكّل تحديًا كبيرًا، إذ لا يتوفر سوى عدد محدود جدًا من العلاجات، ما يضطر الأطباء إلى استخدام بدائل أقل فاعلية أو دمج أكثر من دواء دون نتائج مضمونة.

"يشمل النقص أدوية التشنجات العصبية وتنظيم وظائف الدماغ، إلى جانب أدوية الأمراض النفسية، حيث تتوفر أنواع محدودة من مضادات الاكتئاب لا تغطي الحاجة الفعلية".

ويشمل هذا النقص أدوية التشنجات العصبية وتنظيم وظائف الدماغ، إلى جانب أدوية الأمراض النفسية، حيث تتوفر أنواع محدودة من مضادات الاكتئاب لا تغطي الحاجة الفعلية، ما ينعكس سلبًا على جودة العلاج واستجابة المرضى.

ويضيف: "القيود المفروضة على إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية تزيد من تعقيد الأزمة، إذ تصل كميات محدودة لا تكفي إلا لعدد قليل من المرضى، فيما تبقى الغالبية دون علاج مناسب، خاصة في ظل غياب أدوية أساسية لإصابات الدماغ وجراحات الأعصاب".

من بين الحالات التي يتابعها سمور، حالة الفتى عبد الكريم النجار (16 عامًا)، الذي أُصيب في الرأس في تموز/ يوليو 2025م، ما أدى بحسب تشخيص الأطباء، إلى تضرر مركز الإبصار وفقدانه البصر.

وتروي والدته أن الأطباء وصفوا حالته بـ"النادرة"، مشيرة إلى أنه يحتاج إلى تغذية خاصة وفيتامينات لدعم وظائف الدماغ، مثل الأسماك والمكسرات والخضراوات، إلا أن هذه الاحتياجات تفوق قدرة الأسرة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

يتعرض عبد الكريم لنوبات متكررة تظهر على شكل رجفة مفاجئة في أطرافه وفقدان للوعي، وهو ما يفسر  سلوكه الليلي، إذ يتحرك دون وعي، ولا يتذكر ذلك صباحًا.

وتضيف: "يعاني ابني من عدم توفر العلاجات اللازمة، سواء الفيتامينات أو أدوية الأعصاب، نتيجة القيود المفروضة ونقص الإمدادات الطبية".

ويتعرض عبد الكريم لنوبات متكررة من زيادة الشحنات الكهربائية، تظهر على شكل رجفة مفاجئة في أطرافه وفقدان للوعي، وهو ما يفسر - وفق سمور- سلوكه الليلي، إذ يستيقظ ويتحرك دون وعي، ولا يتذكر ذلك صباحًا.

وتشير والدته إلى أن "وضعه الصحي تدهور، ويعاني من عصبية وعزلة، في حين كان طالبًا مجتهدًا، قائلة: "يتمنى العودة إلى المدرسة، لكن حالته الصحية وتراجع المنظومة التعليمية جعلا ذلك صعبًا".

يقف يزن عند النافذة منفردًا باكيًا رغم محاولته إظهار التماسك، كما يشعر بالحرج من تميّزه عن غيره، خاصة في الطعام.

وتصف لحظات مؤلمة يعيشها، إذ كثيرًا ما تجده يقف عند النافذة منفردًا باكيًا رغم محاولته إظهار التماسك، كما يشعر بالحرج من تميّزه عن غيره، خاصة في الطعام، في ظل حاجته إلى تدخل جراحي نتيجة بروز جزء عظمي في موضع الإصابة.

الطفل أيمن شقفة (11 عامًا)، يعاني أيضًا من نوبات فقدان وعي مفاجئة، والحكاية بدأت عندما كان يلعب مع أصدقائه قبل أن يسقط فجأة مغشيًا عليه، ما أثار حالة من الهلع بين الأطفال الذين هرعوا إلى المنزل طلبًا للمساعدة.

"نوبات أيمن كانت خطرة، إذ كان يفقد وعيه بشكل كامل، وفي بعض الأحيان كان يصل الأمر إلى حد ابتلاع لسانه أثناء النوبة".

ويُرجع بداية حالته إلى شدة القصف في الأيام الأولى للحرب، حيث خلّفت الأصوات العنيفة أثرًا واضحًا عليه، موضحًا أن نوبات أيمن كانت خطرة، إذ كان يفقد وعيه بشكل كامل، وفي بعض الأحيان كان يصل الأمر إلى حد ابتلاع لسانه أثناء النوبة، ما شكّل خطرًا مباشرًا على حياته وأثار مخاوف الأطباء.

وبسبب تكرار هذه الحالات وخطورتها، جرى إجلاؤه خارج القطاع لتلقي العلاج اللازم وتوفير رعاية طبية متخصصة.

في ظل انهيار شبه كامل في المنظومة الصحية في قطاع غزة، يبقى تدخل الأطباء طارئًا ومحدودًا، إلى حين فتح المعابر وإدخال الأدوية والإمكانات الطبية اللازمة، لمتابعة هذه الحالات التي تتفاقم يومًا بعد يوم.