غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"انتشلوني من تحت الركام ودفنت هناك ساقي إلى الأبد".. بهذه الجملة الثقيلة بدأت الطفلة ملاك خضر حكايتها، وهي تحاول أن تتوازن على ساقٍ واحدة داخل خيمتها الضيقة في أحد مخيمات النزوح بقطاع غزة.
لا يدٌ تمتد لتسندها، ولا صوتٌ مألوف يخفف عنها وطأة الألم، فالأب والأم، ومعهما إخوتها، غابوا جميعًا تحت ذات الركام الذي أخرجها حيّةً وحدها.
عادت ملاك إلى المنزل، وارتمت في حضن أبيها، وفي تلك اللحظة الدافئة، لم تكن تدرك أنها تودّع العالم الذي تعرفه.
منذ تلك اللحظة، لم تعد الطفلة كما كانت، بل صارت الناجية الوحيدة من عائلةٍ كاملة، تحمل في جسدها وذاكرتها ما تبقّى من حياةٍ كانت مليئة بالضحكات والدفء.
لا تغادر تفاصيل الليلة الأخيرة قبل القصف ذهنها الصغير، فتروي كيف وصلهم خبرٌ عن هدنةٍ محتملة، فتمسكت العائلة بالأمل كما لو أنه حقيقةٌ وشيكة.
قالت الأم لأطفالها، وملاك بينهم: "اذهبوا واشتروا مسلّيات"، فخرجت مع إخوتها، اشتروا مصاصاتٍ وأكياس رقائق، وضحكوا وهم يركضون تحت سماءٍ ملبدةٍ بالدخان.

كان القصف حتى تلك اللحظة مستمرًا، لكنهم ظنوه مؤقتًا، وأن الفرح الذي بدأوه سيكتمل مع إعلان الهدنة. عادت ملاك إلى المنزل، وارتمت في حضن أبيها، وفي تلك اللحظة الدافئة، لم تكن تدرك أنها تودّع العالم الذي تعرفه.
قبل أن يغفو، طلب منها أن تتحرك قليلًا إلى جهةٍ أخرى، لم تفهم السبب حينها، لكنها أدركت لاحقًا أن تلك الحركة الصغيرة كانت الفارق بين الحياة والموت.
تقول: "قصفونا في لحظات الفجر، لم يتركوا لي أحدًا من أسرتي، انهار البيت فوقنا، وكنت تحته، عاجزة عن الكلام أو الحركة، بينما أقدام كثيرة كانت تدوس جسدي بحثًا عن ناجين".
حين انتُشلت ملاك من تحت الركام، كانت الحقيقة أكثر قسوة من القصف ذاته. لم ينجُ أحدٌ من عائلتها، وكانت ساقها اليمنى قد بُترت.
في تلك العتمة، لم تكن تصرخ فقط من الألم، بل من الخوف والوحدة.. من شعورٍ مفاجئ بأن العالم كله انهار فوقها، ولم يبقَ منه شيء.
حين انتُشلت من تحت الركام، كانت الحقيقة أكثر قسوة من القصف ذاته. لم ينجُ أحدٌ من عائلتها، وكانت ساقها اليمنى قد بُترت.
بدأت رحلة علاجٍ شاقة، في ظل إمكاناتٍ طبية محدودة، وألمٍ لا يهدأ، ومع ذلك، لم تتوقف عن التمسك بالحياة.
تحكي بصوتٍ يختلط فيه التعب بالإصرار: "تقبّلت الأمر وقلت الله بعوضني، سأعيش أنا وأتمسك بالحياة".
تسير ملاك بحذر، كل حركةٍ صغيرة تكلّفها ألمًا، وكل خطوة تذكّرها بما فقدت.. في المخيم أيضًا حيث تتشابه الخيام والوجوه المثقلة بالفقد، لا تكاد تجد عائلة لم تذق مرارة الخسارة، لكن ما اجتمع على ملاك كان أثقل: فقدُ البيت، والأهل، والساق، دفعةً واحدة.
تتنقل داخل خيمتها ببطء، تمسك بأعمدتها لتحافظ على توازنها، تصل إلى حوضٍ صغير لتغسل وجهها، كأنها تستعيد جزءًا من روتين حياةٍ سُلبت منها.
الطعام يأتي أحيانًا من وجبات الإغاثة، وأحيانًا أخرى من تدبيرٍ بسيط تفرضه ظروف الخيمة! تفاصيل يومها قاسية، لكنها تتشبث بها كأنها دليلٌ على أنها ما زالت هنا، تقاوم بطريقتها.
وعندما تُسأل عن حلمها، لا تطلب الكثير. تقول إنها تريد طرفًا صناعيًا فقط لتتمكن من المشي كما كانت.
في قلب هذا الفقد الهائل، تتمسك ملاك بجملةٍ واحدة تختصر كل شيء: "بدّي أعيش".
جسدها المبتور لم يُنهِ رغبتها في الحياة، ولا ألم المخيم أطفأ حلمها بأن تعود إلى مقاعد الدراسة، وأن تمشي بخطواتها الخاصة، وأن تستعيد شيئًا من طفولتها التي اقتُطعت فجأة.
في قلب هذا الفقد الهائل، تتمسك ملاك بجملةٍ واحدة تختصر كل شيء: "بدّي أعيش".
