بقدمٍ واحدة.. "حدادٌ" يُقوّم عجزه ويعيد تشكيل الحكاية
تاريخ النشر : 2026-04-08 13:18

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

داخل ورشة حدادة متواضعة في أحد أحياء مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يجلس ناهض المسارعي أمام طاولةٍ معدنية، ويطرق بإيقاعٍ ثابت قطعًا من الحديد، بينما يستقر جسده على كرسيٍ لم يعد يفارقه.

منذ أكثر من خمسةٍ وعشرين عامًا اعتاد الوقوف لساعاتٍ طويلة، لكن قدميه لم تعودا تحملانه كما في السابق، منذ أن بُترت قدمه اليسرى تحت ركام قصفٍ استهدف مدرسةً تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، كان قد لجأ إليها نازحًا بحثًا عن الأمان.

هكذا، في لحظةٍ واحدة، انتقل من رجلٍ يطرق الحديد واقفًا بثبات، إلى جسدٍ يحاول التوازن فوق ما تبقّى منه، دون أن يتخلى عن إيقاعه القديم.

في المستشفى صمتٌ ثقيل كان يلفّ المكان، وعيونٌ تتبادل نظراتٍ مترددة، قبل أن تأتيه الحقيقة دفعةً واحدة: "بُترت قدمك اليسرى".

لا يمكن للرجل أن ينسى ذلك اليوم الذي غيّر مجرى حياته، ويقول: "كنت أجلس مع مجموعة من المدرسين والنازحين نستعد لتناول طعام الغداء، قبل أن يهز انفجار كبير المكان، وتتناثر الأجساد من حولي".

كان هذا آخر ما رآه، قبل أن يفقد الوعي دون أو يدرك ما الذي أصابه أو أصاب من معه. لم يكن الانفجار مجرد لحظة رعب عابرة، بل قطيعة حادة مع كل ما كان يعرفه عن نفسه وحياته، لحظة انكسرت فيها الحياة في عينيه دفعةً واحدة.

عندما استعاد وعيه داخل أحد المستشفيات، لم يكن المشهد أقل قسوة من لحظة القصف. صمتٌ ثقيل كان يلفّ المكان، وعيونٌ تتبادل نظراتٍ مترددة، قبل أن تأتيه الحقيقة دفعةً واحدة: "بُترت قدمك اليسرى".

يخبرنا: "كان جسدي مثقلاً بالكسور والشظايا.. لم تكن الجملة مجرد خبرٍ طبي، بل إعلانًا عن حياةٍ جديدة لم أخترها، حياة تبدأ من فقدٍ لا يمكن تعويضه".

أمضى المسارعي نحو شهرين في المستشفى، خضع خلالها لعملياتٍ جراحية ومحاولاتٍ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن يعود إلى منزله ليقضي ثمانية أشهرٍ أخرى بين الجدران.

تنقّل خلالها بمساعدة جهازٍ للمشي وكرسيٍ متحرك، في مرحلةٍ كانت الأثقل نفسيًا كما يصفها: "وجدت نفسي عاجزًا عن أداء أبسط تفاصيل حياتي اليومية، غير قادرٍ على مساعدة نفسي أو إعالة أسرتي، بينما كانت الحياة تمضي من حولي دون أن أكون جزءًا منها".

الرجل الذي صاغت المهنة إيقاع حياته، لم يجد في البقاء حبيس المنزل خيارًا ممكنًا، وقرر العودة إلى عمله في ورشته الصغيرة رغم الألم وتعقيدات الواقع.

هذا الاستسلام للواقع لم يدم طويلًا، فالرجل الذي صاغت المهنة إيقاع حياته، لم يجد في البقاء حبيس المنزل خيارًا ممكنًا، وقرر العودة إلى عمله في ورشته الصغيرة رغم الألم وتعقيدات الواقع.

يضيف: "لم يكن الأمر سهلًا، كانت خطوة شاقة ومرهقة إلى حد كبير، العودة كانت صعبة جدًا، لكن البقاء في المنزل بلا عمل كان يقتلني كل يوم".

مع التغيرات التي طرأت على حالته البدنية، تحولت مهنة الحدادة، القائمة على الجهد البدني والوقوف الطويل، إلى تحدٍ يومي. يعقب: "الإصابة وبتر قدمي، ناهيكم عن اختلال التوازن الذي يمنعني من المشي، دفعتني لإعادة ترتيب تفاصيل العمل وفق قدراتي الجديدة، أعمل وأنا جالس معظم الوقت، وأضع الأدوات في متناول يدي، وأستعين بأصدقائي وجيراني من أصحاب الورش المجاورة لإنجاز الأعمال الثقيلة".

ومع اتساع رقعة الدمار في قطاع غزة، لم تعد ورشته مجرد مساحة للعمل، بل تحولت إلى نقطةٍ لإعادة تدوير آثار الحرب! يستقبل قطع الحديد المتضررة من المنازل التي طالتها الغارات، من أبوابٍ ونوافذ وصفائح معدنية، ليعيد تشكيلها واستخدامها في ترميم بيوتٍ أخرى أو تلبية احتياجات بسيطة للناس.

يشرح: "كل ما يصلني من حديد متضرر أحاول إصلاحه ليتمكن الناس من استخدامه مرة أخرى".

تجاوز عمل المسارعي حدود الإصلاح إلى الابتكار، إذ يسعى إلى تصنيع أدواتٍ بسيطة من الحديد المستهلك، للتخفيف عن النساء اللواتي أثقلت كواهلهن الظروف، خاصة مع الاعتماد على وسائل بدائية كالطبخ على الحطب.

يحتاج المسارعي لعملياتٍ جراحية من أجل تهيئة ما تبقى من ساقه لتركيب طرفٍ صناعي، إلى جانب علاج إصاباتٍ أخرى في الكتف ومتابعة مشكلات صحية مستمرة.

ورغم عودته التدريجية إلى العمل، لا يخفي المسارعي حاجته الملحّة لاستكمال علاجه، فهو بحاجة إلى عملياتٍ جراحية لتهيئة ما تبقى من ساقه لتركيب طرفٍ صناعي، إلى جانب علاج إصاباتٍ أخرى في الكتف ومتابعة مشكلات صحية مستمرة.

يستدرك هنا بحسرة: "لكن محدودية الإمكانات والحصار المفروض على القطاع يجعلان هذا الأمل مؤجلًا، ومعه تتأجل كل الأحلام البسيطة".

أن يعود كما كان، أن يمشي بثبات، أن يخرج في نزهة مع أبنائه وأحفاده، كلها أحلامٌ صغيرةٌ تراود قلبه الذي حطمته لحظة القصف تلك، وحتى يتحقق ذلك، يواصل المسارعي عمله دون استسلام، متمسكًا بإرادةٍ صلبة تشبه الحديد الذي يعيد تشكيله، كأنه يعيد تشكيل نفسه في كل مرة.