اقتصاد "الجوع" يتوسّع.. سوقٌ سوداء تسرق "خُبز" غزة
تاريخ النشر : 2026-04-06 09:53

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عند الخامسة فجرًا، تُجبر هالة شاهين (52 عامًا) نفسها على الاستيقاظ، لخوض معركة يومية من أجل تأمين الخبز لأطفالها، تخرج مسرعة نحو أحد المخابز المدعومة، محاولةً حجز دور مبكر قبل أن تمتد الطوابير وتذوب فرص الحصول على ربطة خبز بسعر مدعوم من قبل المؤسسات الدولية.

تقول شاهين: "مهمتي هذه ليست استثناءً، وإنما روتين قاسٍ في ظل الحرب الإسرائيلية التي تدخل عامها الثالث وإن كانت أخف دموية"، إذ تقف لساعات طويلة، وأحيانًا تعود خالية الوفاض إن لم يصلها الدور.

وتضيف: "أحيانًا أصل متأخرة، فأُجبر على شراء الربطة بـ7 أو 8 شواكل"، مشيرة إلى خشيتها من ارتفاع السعر أكثر، ما يجعلها عاجزة عن توفير أبسط احتياجات عائلتها، ما يدفعها أحيانًا لتغيير نوع الطعام بالكامل؛ لأن تكلفة الوجبات أصبحت مرتفعة جدًا، ومن الصعب على عائلة بلا دخل أن تدير شؤونها في هذا الوضع.

في قطاع غزة، تحوّل الخبز إلى مؤشر حاد على عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية -بحسب خبراء- خاصة مع بداية أبريل/نيسان، حيث قفز سعر الربطة من 3 شواكل إلى نحو 8 شواكل، في وقت لا تزال فيه غالبية الأسر في غزة تعتمد على المساعدات الغذائية، بحسب برنامج الغذاء العالمي.

وكان أحمد السقّا (40 عامًا)، قد لجأ إلى الخَبز المنزلي كحل بديل لتقليل النفقات، يشتري الطحين ويخبز لعائلته، لكن هذه الفكرة لم تصمد طويلًا.

يخبرنا الرجل بأنه كان يشتري كيس الطحين قبل أشهر بنحو 25 شيكلًا، قبل أن يرتفع إلى 50، ثم يقفز اليوم إلى قرابة 80 شيكلًا، في زيادة متسارعة أنهكت قدرته على الاحتمال.

ولا يخفي قلقه العميق من عودة شبح المجاعة؛ فمجرد استحضارها يثقل صدره، ويعيد إليه ذكريات قاسية عن معاناة البحث عن الخبز، وسقوط مئات الضحايا برصاص الاحتلال الإسرائيلي، في سبيل الحصول عليه كما جرى تحت الإبادة.

"ما كان يُعدّ خيارًا اقتصاديًا أصبح اليوم عبئًا إضافيًا في ظل غياب الدخل واستمرار ارتفاع الأسعار".

الارتفاع "غير المنطقي" بحسب وصفه، جعله غير قادر على الاستمرار في الخَبز المنزلي، مؤكدًا أن ما كان يُعدّ خيارًا اقتصاديًا أصبح اليوم عبئًا إضافيًا، في ظل غياب الدخل واستمرار ارتفاع الأسعار، وهو ما دفع بإلغاء حتى البدائل البسيطة التي كانت متاحة سابقًا.

وفي تفسيره لجذور الأزمة، يقول عبد الناصر العجرمي، رئيس جمعية أصحاب المخابز في غزة: "المشكلة الأساسية تكمن في اختلال كبير بين العرض والطلب".

ويوضح هنا أن القطاع ينتج نحو 200 طن يوميًا فقط عبر برنامج الغذاء العالمي، بينما يحتاج إلى ما لا يقل عن 400 طن لتلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان.

ويعزو هذا العجز إلى عدة عوامل، أبرزها تقليص حصص الطحين التي تدخل القطاع، وتوقف بعض المبادرات الإنسانية التي دعمت الأهالي لفترة، بالإضافة إلى الأزمات التشغيلية مثل نقص الزيوت اللازمة لتشغيل المولدات.

وفيما يتعلق بالأسعار، يكشف العجرمي أن كيس الطحين الذي كان يُباع بـ25 شيكلًا، وصلت تكلفته اليوم إلى نحو 100 شيكل، نتيجة تعقيدات النقل وارتفاع تكاليف "التنسيقات"، ما انعكس مباشرة على سعر ربطة الخبز التي وصلت 8 شواكل وأكثر في السوق السوداء.

ويحذر من مرحلة مقبلة قد تشهد تطبيق "نظام سعرين" للخبز، مع توجه برنامج الغذاء العالمي لتقليص دعمه تدريجيًا، والانتقال نحو النظام التجاري.

"رغم الحديث عن تشغيل ستة مخابز تجارية قد تضيف ما بين 60 و70 طنًا يوميًا، إلا أن هذه  الخطوة لن تكون سوى "مُسكّن مؤقت".

ورغم الحديث عن تشغيل ستة مخابز تجارية قد تضيف ما بين 60 و70 طنًا يوميًا، يؤكد العجرمي أن هذه الخطوة لن تكون سوى "مُسكّن مؤقت"، ما لم يتم إدخال الطحين بحرية وخفض تكاليفه.

من جانبه، يرى الصحفي والباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما يحدث هو نتيجة طبيعية لاختلال السوق الغذائي في القطاع.

يقول: "انخفاض الإنتاج وارتفاع الطلب يؤديان حتمًا إلى ارتفاع الأسعار، ويفتحان الباب أمام السوق السوداء، مضيفًا: "الأزمة الحالية لا تعكس نقصًا مؤقتًا، بل خللًا هيكليًا في منظومة التوزيع والإمداد".

استمرار هذه الظروف -وفق أبو قمر- يهدد الأمن الغذائي لنحو 95% من السكان الذين يعتمدون على المساعدات، ما قد يحوّل الخبز من حق أساسي إلى سلعة نادرة، ويعمّق الأزمة الإنسانية في القطاع.