يتيمٌ بلا وداع.. نجاةٌ لا تختلف عن الموت كثيرًا
تاريخ النشر : 2026-04-04 10:46
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في يومٍ يُفترض أن يُنصف الذاكرة، ويعيد ترتيب الغياب في قلوب الصغار، يقف نضال قرموط على حافة حكايةٍ لم تكتمل، كأن العمر انكسر فجأة عند لحظةٍ واحدة، وتركه وحيدًا يواجه امتدادها.

"يا ليت كان أبي موجودًا ليوقظني من النوم، أو يسأل عني حين أغيب عن الخيمة. أنا طفل لم أرَ من الحياة سوى المُرّ وما هو أشدّ مرارة"، بهذه الكلمات الثقيلة يروي نضال (13 عامًا) وجعه في يوم "اليتيم العالمي"، هذا اليوم الذي يمرّ عليه بوصفه تذكيرًا فادحًا بما خسره دفعةً واحدة.

في خلفية تاريخ هذا اليوم الرابع من إبريل 2026م، تتكدس الأرقام حتى تكاد تبتلع الحكايات، فوفق وزارة التنمية الاجتماعية بغزة: "يأتي هذا اليوم في ظل ظروف إنسانية قاسية يعيشها الأيتام، خاصة في قطاع غزة الذي شهد واحدة من أعنف الحروب وأطولها، حيث يتقاطع الفقد مع النزوح، وينهار المأوى فوق رؤوس أصحابه، وتغيب الخدمات الصحية والتعليمية، بينما يتسلل الجوع ونقص الدواء إلى تفاصيل الحياة اليومية، مهددًا ما تبقى من الطفولة".

ارتفع عدد الأيتام في القطاع إلى 64,616 طفلًا، منهم 55,157 خلال حرب الإبادة التي استمرت لعامين، معظمهم فقدوا آباءهم تحت القصف.

وقد ارتفع عدد الأيتام في القطاع إلى 64,616 طفلًا، منهم 55,157 خلال حرب الإبادة التي استمرت لعامين، معظمهم فقدوا آباءهم تحت القصف، فيما كانت محافظة غزة الأكثر استحواذًا على هذا الفقد بنسبة 32.7% من إجمالي العدد.

لكن نضال اليوم لا يُحصي الأرقام، بل يحصي عدد صباحات الوحدة التي يعيشها. يستيقظ كل يوم داخل خيمة نزوح، يفتح عينيه على سقفٍ منخفض من القماش، مثقلٍ بالغبار، يحدّق طويلًا في نقطةٍ ثابتة، كأنه يتأكد أن هذا المكان ما زال هو نفسه، وأن الكابوس لم يتبدّل! يجلس ببطء، يضم ركبتيه إلى صدره، ويصمت وقد امتلأ قلبه بكل ما لا يُقال.

قبل عامين، في البدايات الأولى للحرب، كان نضال يعيش في بيته، تحيطه عائلته، وتحميه تفاصيل يومٍ عادي، حتى جاءت تلك الليلة الثقيلة، وبعد قصفٍ لم يهدأ قرر والده أن تغادر العائلة المكان.

"لم يكن القرار سهلًا، لكن البقاء صار أكثر خطرًا من الرحيل. طلب أبي أن نخرج متفرقين، حتى لا نموت جميعًا إذا استهدفنا الطيران كما كان يحدث مع النازحين جماعات آنذاك".

خرج نضال أولًا، خطواتٌ قليلة فصلته عن كل ما كان يملكه، ثم هوى صاروخ. حين التفت، لم يرَ بيتًا، ولا عائلة، بل مشهدًا قال عنه: "كأن القيامة قد قامت".

تجمّد الزمن عند تلك اللحظة، وانفصلت حياته إلى ما قبلها وما بعدها، دون جسرٍ يعبر به: "ظننته كابوسًا، وقلت لنفسي إنني أحلم. كنت بينهم قبل دقائق، كيف انتهى كل شيء بهذه السرعة؟ كيف قُتلت عائلتي كلها وأنا نجوت وحدي؟".

بقي الأب والإخوة هناك، بلا قبور، بلا أسماءٍ على شاهدٍ يُزار، وبلا لحظة أخيرة تليق بالفقد، ومنذ تلك اللحظة، لم يعد لنضال مكانٌ ثابت.

لم يكن هناك وقتٌ للبحث، ولا فرصةٌ للوداع.. تحت القصف المستمر، حاولت الطواقم الطبية الوصول إلى المكان، لكن الضربات المتلاحقة حالت دون انتشال الجثامين.

بقي الأب والإخوة هناك، بلا قبور، بلا أسماءٍ على شاهدٍ يُزار، وبلا لحظة أخيرة تليق بالفقد، ومنذ تلك اللحظة، لم يعد لنضال مكانٌ ثابت. تنقّل أربع عشرة مرة، كما لو أنه يُعاد اقتلاعه في كل مرة من جديد.

من مدرسةٍ إلى أخرى، من صفٍ نجا إلى صفٍ استُهدف بجواره، من مخيم نزوحٍ إلى آخر صار لاحقًا تحت النيران، من الشمال إلى الجنوب، ومن الخوف إلى خوفٍ أكبر.

في كل انتقال، لم يكن يحمل معه سوى ذاكرةٍ أثقل من جسده، تفاصيل جديدة تنحفر داخله، لا تمحو ما قبلها، بل تضيف إليه طبقاتٍ أخرى من الألم.

في يوم اليتيم العالمي، لا يبحث نضال عن تعويضٍ ولا عن خطابٍ يُواسيه.. كل ما يريده الانتباه للغياب الهائل الذي يتركه الموت في حياة طفل.

اليوم، يصف حياته في الخيمة كأنها زمنٌ بلا ملامح: "الأيام تمرّ متشابهة، لا شيء يميزها، ولا حدث يغيّر هذا الإيقاع من المرارة الذي نعيشه".

حتى المناسبات، التي يفترض أن تكون استراحةً من التعب، تمرّ عليه كاختبارٍ إضافي للفقد. "لا مائدة عائلية، ولا صوت يملأ المكان وقت الإفطار، لا عيد لأهالي الشهداء، وأنا أهلي جميعًا شهداء".

يشارك الآخرين طعامهم أحيانًا، يجلس بينهم، يبتسم حين يجب أن يبتسم، لكنه يدرك في داخله أنه يقف على هامش المشهد، حاضرٌ بجسده، غائبٌ بكل ما تبقى منه، وحين يُسأل عن والده، يختصر الحكاية كلها بجملةٍ واحدة: "رحل، ولم أستطع أن أودّعه"، ثم ينهار باكيًا.

يخبرنا أن تفاصيل ذلك اليوم لن تغيب عنه ما دام حيًا، وأن كل ما عاشه منذ طفولته المبكرة أكبر من عمره، وأثقل من احتماله. كأن الحرب لم تسرق عائلته فقط، بل سرقت الزمن الذي كان يجب أن يكبر فيه ببطء، لا دفعةً واحدة تحت الركام.

في يوم اليتيم العالمي، لا يبحث نضال عن تعويضٍ مستحيل، ولا عن خطابٍ يُواسيه.. كل ما يريده -كما يقول- أن يكون هناك من ينتبه لهذا الغياب الهائل الذي يتركه الموت في حياة طفل، وألا يتحول الأيتام إلى أرقامٍ تُذكر في البيانات، ثم تُنسى.