أطفال "التوحّد" محاصرون بفوضى "الإبادة"
تاريخ النشر : 2026-04-02 12:24
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يُثقل اليأس صدر خميس الصعيدي، فلا يجد ما يواجه به صراخ ابنتيه سوى أن يضمّهما إلى صدره طويلًا، علّ الهدوء يزور ملامحهما المتعبة لوهلة.

يقول بصوتٍ يحمل غصة: "لم يعد بيدي سوى احتضانهما، لعلّ صراخهما يهدأ قليلًا، هما مصابتان بالتوحّد، وقد ساءت حالتهما كثيرًا بعد الحرب، خاصة بعد استشهاد والدتهما وإخوتهما".

هذه حكاية رجلٍ واجه الحرب وحده، محاطًا بوجعٍ مضاعف بين فقدٍ ثقيل ومسؤولية لا ترحم، فمنذ السابع من أكتوبر 2023م، لم تعد حياة هذا الأب كما كانت، غير أن الحكاية تعود إلى ما قبل ذلك بسنوات، حين بدأ يلاحظ على توأمتيه، تسنيم ولميس (17 عامًا حاليًا)، سلوكياتٍ مختلفة.

لم تستجيبا لصوت أمهما أثناء الرضاعة، ولم تلتفتا للمناداة، ثم راحت حركات الأيدي تتكرر، مع اهتزاز الرأس وحركةٍ لا تهدأ في القدمين.. بعد رحلةٍ من الفحوصات، جاء التشخيص "إنه اضطراب طيف التوحّد".

لم تكن الطريق سهلة منذ البداية، فضعف الخدمات، وغياب البرامج المتخصصة، وحرمان الفتاتين من التعليم المناسب، كلها تفاصيل أثقلت كاهل الأب، بينما كانت الأم تتحمّل العبء الأكبر في الرعاية اليومية، خاصة مع بلوغ الفتاتين وعدم قدرتهما على التعامل مع متغيرات الجسد والحياة.

تحت القصف، اختفت حتى تلك الخدمات القليلة، وتحوّل البيت إلى ساحة فقدٍ مفتوح، استُشهدت الأم والأبناء، وبقي خميس وحيدًا مع بناته، بينهن يافا (8 سنوات) التي تحاول بطفولتها، أن تسانده في رعاية شقيقتيها.

يقول: "أصبحت أنا من يبدّل الحفاضات والفوط الصحية لابنتيّ، لا أحد غيري يستطيع تحمّل ذلك".

"العبء لا يتوقف عند الجهد الجسدي، فالحالة النفسية للفتاتين تدهورت بشكلٍ حاد: صراخٌ مستمر، وفقدان للسيطرة، وحنينٌ موجع إلى أمٍ غابت فجأة".

لكن العبء لا يتوقف عند الجهد الجسدي، فالحالة النفسية للفتاتين تدهورت بشكلٍ حاد: صراخٌ مستمر، وفقدان للسيطرة، وحنينٌ موجع إلى أمٍ غابت فجأة.

لم تعودا قادرتين حتى على دخول المرحاض دون مساعدة، بينما تزداد حاجتهما إلى مستلزماتٍ أساسية لا يملك الأب القدرة على توفيرها، من فوطٍ صحية وأدوات نظافة، إلى فرشاتٍ طبية خاصة تقي جسديهما الهشين.

في اليوم العالمي للتوحّد، الذي يوافق الثاني من إبريل/ نيسان من كل عام، لا يرى خميس ما يحتفى به، فيختصر أمنيته بجملة واحدة: "أتمنى أن تتمكّن ابنتاي من السفر لتلقي العلاج خارج غزة".

في مكانٍ آخر، داخل أحد مراكز الإيواء وسط قطاع غزة، تحتضن منال طفلها أحمد (11 عامًا)، محاولةً أن تخلق له مساحة أمان وسط الفوضى.

تقول لـ"نوى": "الجميع هنا بات يعرف أن ابني يعاني صعوبة في الإدراك، فيعاملونه بلطف، باستثناء من يعنّفه".

بين خيمةٍ وأخرى، يحاول أحمد أن يندمج، لكنه يبقى أسير عالمه الخاص. منذ طفولته المبكرة، ظهرت عليه أعراض فرط الحركة وصعوبة الإدراك.

تنقّل والداه بين مراكز صحية عدة حتى توصلا إلى التشخيص "اضطراب طيف التوحّد"، وهنا كانت بداية المعاناة الحقيقية، في ظل غياب المختصين والخدمات المتخصصة وفق ما يصف الأب.

"قبل الحرب، خضع أحمد لمحاولاتٍ متواضعة لتعديل السلوك، وتمكّن بصعوبة من الاستمرار في المدرسة رغم تأخّره عن أقرانه بثلاث سنوات".

قبل الحرب، خضع أحمد لمحاولاتٍ متواضعة لتعديل السلوك، وتمكّن بصعوبة من الاستمرار في المدرسة رغم تأخّره عن أقرانه بثلاث سنوات.

تخبرنا والدته: "لم يكن يهمني الفارق، المهم أن يستمر". كانت توفّر له الفيتامينات والمكسرات، محاولةً دعم صحته، لكن الحرب قطعت عنه كل شيء.

اليوم، يبدو أحمد أكثر هشاشة، الأصوات العالية التي كانت ترعبه سابقًا تحوّلت إلى كابوسٍ دائم في ظل القصف.

"كان يصرخ ويهرب من أي صوت مرتفع، فكيف بصوت الانفجارات؟ أحيانًا كنت أشعر أنه سيموت من الخوف".

تضيف أمه: "كان يصرخ ويهرب من أي صوت مرتفع، فكيف بصوت الانفجارات؟ أحيانًا كنت أشعر أنه سيموت من الخوف (..) اليوم تفاقمت حالته وازدادت لديه التأتأة، بينما اختفت كل وسائل الدعم التي كانت تساعده".

تنقّلت منال بين المؤسسات، تبحث عن مكانٍ يعيد لطفلها بعض التوازن، لكن الإجابة كانت واحدة: "انتظري حتى تنتهي الحرب".

توضح الأخصائية النفسية لطيفة شتات أن اضطراب طيف التوحّد هو اضطراب نمائي عصبي يؤثر على التواصل والتفاعل الاجتماعي والسلوك، ويظهر في سن مبكرة، ويحتاج إلى تدخلٍ مبكر ورعاية خاصة.

غير أن الحرب -كما تقول- دفعت بهذه الفئة إلى مستوياتٍ غير مسبوقة من الخوف، بسبب حساسية المصابين تجاه الأصوات العالية، ما أدى إلى تدهور حالتهم النفسية وازدياد نوبات الغضب والصراخ.

أخصائية نفسية: "الأطفال المصابين بالتوحّد يعتمدون على روتينٍ ثابت، وأي تغييرٍ مفاجئ يحتاج إلى وقتٍ طويل للتكيّف، وهو ما جعل النزوح صدمةً إضافية لهم".

وتضيف: "الأطفال المصابين بالتوحّد يعتمدون على روتينٍ ثابت، وأي تغييرٍ مفاجئ يحتاج إلى وقتٍ طويل للتكيّف، وهو ما جعل النزوح صدمةً إضافية لهم".

كما أدى إغلاق المراكز المتخصصة (والحديث لشتات) إلى فقدان خدمات أساسية مثل تعديل السلوك، وجلسات النطق والتخاطب، والعلاج الوظيفي، والدعم النفسي الجماعي، في وقتٍ انشغلت فيه العائلات بتأمين الحد الأدنى من احتياجات البقاء.

في يومٍ يفترض أن يُسلّط الضوء على احتياجاتهم، يجد أطفال التوحّد في غزة أنفسهم خارج كل حساب، بلا خدمات، ولا مساحات آمنة، ولا خصوصية داخل خيامٍ لا تراعي هشاشتهم.

في يومٍ يفترض أن يُسلّط الضوء على احتياجاتهم، يجد أطفال التوحّد في غزة أنفسهم بلا خدمات، ولا مساحات آمنة، ولا خصوصية داخل خيامٍ لا تراعي هشاشتهم.

تدعو شتات إلى ضرورة توفير بيئة آمنة لهم، ومساحات للعب، وبرامج دعم نفسي وإرشادي لهم ولعائلاتهم، وإدماجهم في أنشطة المؤسسات، "حتى لا يُتركوا لمواجهة هذا العالم القاسي وحدهم".

في زوايا الخيام والبيوت المهدّمة، يعيش أطفال التوحّد معركةً مضاعفة، بلا أدوات، وبلا صوتٍ يُعبّر عنهم، سوى صراخٍ لا يسمعه أحد.