حكَّة الجَرَب ألمٌ لا يستطيع أطفال غزة انتزاعه
تاريخ النشر : 2026-03-30 08:39
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، لم يعد من السهل أن تميّز الخدوش التي تطال الأجساد والأمراض التي تتمدد تحت الجلد بصمت، فالأمهات اللواتي اعتدن ملاحظة التفاصيل الدقيقة على أطفالهن، أصبحن اليوم يلاحقن بقعًا تنتشر أسرع من قدرتهم على الفهم أو العلاج.

تقول هديل عناية التي تسكن في بقايا منزلها المدمر في حي النصر غربي غزة، وهي تراقب طفلها البالغ من العمر سبع سنوات: "الأمر بدأ بشيءٍ يشبه لسعةً بسيطة، قبل أن يتحوّل في غضون أيام إلى قروحٍ مفتوحة".

"صار يحكّ جلده بعصبية، كأنه يحاول نزع الألم بيديه. أحيانًا يستيقظ من النوم وهو يبكي دون أن أعرف كيف أساعده".

وتوضح التفاصيل بقلق ظاهرٍ في نبرتها: "صار يحكّ جلده بعصبية، كأنه يحاول نزع الألم بيديه. أحيانًا يستيقظ من النوم وهو يبكي دون أن أعرف كيف أساعده". لم يكن الوصول إلى التشخيص أو الدواء أمرًا متاحًا، فالنقاط الطبية مكتظة، والمراهم شحيحة، وما يُصرف لا يكفي لتغطية الحالات المتزايدة.

هذه القصة تُعدّ جزءًا من صورةٍ أوسع كشفتها دراسة علمية للهلال الأحمر الفلسطيني، شملت 1200 طفل في قطاع غزة، وأظهرت أن 409 منهم مصابون بالقوباء أو الجرب، أو كليهما معًا. القوباء كانت الأكثر انتشارًا بنسبة 87 في المئة من الحالات، بينما أصيب 36 في المئة بالجرب، فيما عانى 24.2 في المئة من عدوى مزدوجة، وهو ما يعكس بيئةً مثالية لانتقال الأمراض الجلدية مع تراجع شروط النظافة الأساسية.

في مخيم المغازي وسط القطاع، يشرح عماد نوفل كيف يتنقل المرض من طفلٍ إلى آخر خلال أيام: "لدينا ثلاثة أطفال، ينامون بجانب بعضهم. عندما ظهرت الحبوب على أحدهم، لم تمضِ أيام حتى أُصيب الآخرون. لا يمكن عزلهم، ولا نملك مساحة كافية".

لكن المشكلة، كما يقول، لا تتوقف عند الاكتظاظ، بل تبدأ من نقطة أبسط وهي "توفر الماء"، الذي يحصل الناس عليه بصعوبة وبانتظار مرهق عبر الطوابير التي يمكن بواسطتها أيضًا انتشار العدوى أكثر.

يكمل الرجل حديثه: "نحصل على المياه بصعوبة، وفي معظم الأحيان تكون غير صالحة. كيف نطلب من الأطفال أن يحافظوا على نظافتهم في هذه الظروف؟ والأطفال أنفسهم جزءٌ من هذه الطوابير، وصار توفير المياه أحد مهامهم في الحرب".

وفي حالة ثالثة، تجلس الطفلة ريتاج محيسن البالغة من العمر عشرة أعوام، محاولةً إخفاء يديها المتقرّحتين، ليس فقط بسبب الألم، بل لأنها أيضا تشعر بالإحراج عند تواجدها بين أطفال المخيم الذي تسكنه. هي تشعر أن الجميع ينظر إليها، ولذا ترفض اللعب مع الأطفال وتفضل الانعزال في كل يوم تتفاقم فيه الجروح، وتبدو واضحة.

فيما تؤكد والدتها أن المرض لم يؤثر على جسد ريتاج فحسب، بل امتد لحالتها النفسية كذلك، مضيفة: "الأطفال هنا لا يعانون المرض وحده، بل من الخجل منه أمام الآخرين. وفي بيئة الأطفال هذه، من الصعب أن يفهموا معنى المرض، وتأثير تعليقاتهم العفوية التي تنهال كالسمّ على أصدقائهم".

وبالعودة للدراسة التي أجراها "الهلال الأحمر الفلسطيني"، فإن النتائج تشير إلى أن 44 في المئة فقط من الأطفال يستطيعون الوصول إلى مياه نظيفة باستمرار، فيما تتوفر مواد التنظيف الأساسية لـ 28 في المئة منهم فقط، ما يجعل "الوقاية" شبه مستحيلة.

أما الاستحمام، الذي يُفترض أن يكون روتينًا يوميًا، فقد تحوّل إلى حدث نادر لا يتكرر إلا عند توفر الماء والوقت المناسب والقدرة، وهو ما يحدث لدى 17 في المئة فقط من الأطفال، وفقاً للدراسة.