التخصصات العلمية تتعثر ولا شيء يُعوّض التجربة الحيّة
تاريخ النشر : 2026-03-29 08:30

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تعدّت آثار الحرب في قطاع غزة قتلَ الإنسان ونسف البنيان، ممتدةً لهدم أحد أهم أعمدة المجتمع، إنه "عمود التعليم" بعد تدمير كثيرٍ من الجامعات. وبالنظر إلى المشهد المحزن من زاوية التخصصات العلمية، فإن انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت ليسا المشكلة الوحيدة التي يعانيها هؤلاء الطلاب كما البقية، بل يكمن الأمر في حجر الأساس المتمثل في الغياب شبه الكامل للجانب العملي.

ويبلغ عدد المباني التابعة للجامعات التي دمرّتها "إسرائيل" ثلاثة وستين، ويشمل ذلك جزءاً لا بأس به من المختبرات والإمكانيات المجهزة ذات الصلة، ما انعكس مباشرةً على مستوى الملتحقين بالكلّيات العلمية.

يبلغ عدد المباني الجامعية التي دمرّتها "إسرائيل" ثلاثة وستين، بما في ذلك جزء من المختبرات والإمكانيات المجهزة، ما انعكس مباشرةً على مستوى الملتحقين بالكلّيات العلمية.

تدرس مَلك عبدو في كلية الطب في الجامعة الإسلامية، وكان لغياب الشق العملي في المساقات التطبيقية بعد الحرب أثرٌ بالغ على دراستها، كما تقول لـ"شبكة نوى"، مضيفةً: "التعليم القائم على الاحتكاك المباشر كان يشكّل حجر الأساس في ترسيخ المعلومات لدينا. فقبل الحرب، كانت التفاصيل تُدرك وتُحفظ بسهولة بواسطة المعاينة داخل المختبرات، ما يجعل الفهم أسرع وأكثر ثباتًا، وبالتالي لا نستغرق وقتاً في المراجعة".

وفي سؤالها عن التراجع الذي لمسته بعد الاتجاه للتعليم الإلكتروني، تبدو مَلك مستاءة من نظامٍ يعتمد على مشاهدة فيديوهات المحاضرات، والبحث عن محتوى إضافي بواسطة الشبكة العنكبوتية لفهم المادة، ما يتطلب جهدًا مضاعفًا كما لا يمكن استيعابه بالكفاءة المطلوبة، حسب تقييمها.

ويخطر ببالها عندما تطرّقت في حديثها إلى موادّ علمية فقدت جدواها، مادة التشريح "الأناتومي" بقولها: "لقد فقدت متعتها وقيمتها التطبيقية، بعدما تحوّلت من دراسة قائمة على المعاينة والتفاعل مع التفاصيل إلى مادة تعتمد على التخيل والحفظ، ما أفقدها جزءًا كبيرًا من دورها في بناء الخبرة الطبية الدقيقة".

وكغيرها من الطلبة، ترى طبيبة المستقبل أن أي محاولات تُبذل في هذا الصدد لا تعوّض غياب التدريب العملي، مبينةً: "مهما حاولت الجامعة مساعدتنا بالشرح النظري وإرسال فيديوهات توضيحية، وكذلك نحن مهما بحثنا عن مصادر تعليمية مناسبة، فإن التحصيل لن يكون كما المتوقع".

"الطالب الذي حظي بتجربة عملية حتماً سيكون أكثر خبرة وثقةً وتمكناً، لأنه تعلّم بالممارسة لا بالمشاهدة عن بُعد".

وعلاوةً على ما سبق، فإن التحديات التقنية، مثل انقطاع الكهرباء والإنترنت تزيد تعقيد العملية التعليمية. مبديةً تخوفها من ألا تكون مؤهلةً لسوق العمل بعد تخرجها، معلّلةً ذلك: "الطالب الذي حظي بتجربة عملية حتماً سيكون أكثر خبرة وثقةً وتمكناً، لأنه تعلّم بالممارسة لا بالمشاهدة عن بُعد".

 في حين، تقول آية العجلة التي تدرس هندسة الديكور في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية إن تخصصها يعتمد بالدرجة الأولى على استخدام الخامات والأدوات، مما أثرَّ في المحصلّة على المستوى عموماً.

"الدراسة قبل الحرب كانت تتضمن ورشاً ومختبرات وبرامجَ بهدف ربط الجانب النظري بالواقع، بينما في الوقت الراهن يطغى "الأول" على التعليم إلى حدٍ كبير".

وبعقد مقارنةٍ بسيطة، تشير إلى أن الدراسة قبل الحرب كانت تتضمن ورشاً ومختبرات وبرامجَ بهدف ربط الجانب النظري بالواقع، بينما في الوقت الراهن يطغى "الأول" على التعليم إلى حدٍ كبير، ما يحدَّ من اكتساب أي خبرة عملية.

 مردفةً حديثها: "تحاول الجامعات التخفيف من وطأة هذا المأزق، بالتركيز على الشرح النظري واستخدام العروض التوضيحية، إلا أن ذلك لا يُعوّض بأي حال التجربة العملية داخل المختبرات والورش".
ومن أبرز التحديات التي تواجه العجلة في أثناء المحاضرات "الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي وضعف الإنترنت"، ما يعيق متابعة الشرح، خاصةً في المساقات التي تعتمد على التطبيق واستخدام البرامج الهندسية.

ومن المساقات التي يختل فيها الميزان بوضوح "تصميم الأثاث"، حسبما تضيف، حيث فقدت هذه المادة جزءاً من قيمتها التعليمية بسبب غياب التطبيق العملي والزيارات الميدانية، مؤكدةً أن هذا النوع من المساقات يتطلب ممارسة عملية وفهماً عن كثب لتفاصيل التنفيذ والخامات.
ورغم التحديات، فلا يُراود آية قلقٌ في هذا الشأن، كونها تعمل على تعويض النقص في الجانب العملي بالتعلم الذاتي، والتدريب على البرامج الهندسية، والاعتماد على مصادر تعليمية متنوعة، إيماناً منها بأن الاجتهاد المستمر يُسهم في تعزيز جاهزية الطالب لسوق العمل.

د.المناعمة: "الطلبة يواجهون صعوبةً في المواد المعملية، مثل مادة الأحياء الدقيقة، حيث لا يغني فيها الشرح النظري أو الفيديوهات والمحاكاة الرقمية عن التجربة الواقعية".

ومن الميدان، يذكر د. عبد الرؤوف المناعمة، أستاذ علم الميكروبات في كلية العلوم الصحية في الجامعة الإسلامية، أن الطلبة يواجهون صعوبةً في المواد المعملية التي تتطلب تجارب حية، مثل مادة الأحياء الدقيقة، حيث لا يغني فيها الشرح النظري أو الفيديوهات والمحاكاة الرقمية عن التجربة الواقعية.

ويعبّر البروفسور المناعمة عن أسفه لأن مهارات الطلاب العملية تأثرت سلباً بعد تدمير الجامعات واللجوء للتعليم عن بعد، رغم اكتسابهم مهارات في استخدام التقنيات الحديثة ومحركات البحث وبرامج التواصل، واستفادة بعضهم من المحاضرات المسجلّة، والتعاون مع جامعات خارج غزة، تبعاً لكلامه.

وفي محاولة لرأب الصدع في الجانب العملي، يؤكد أن الجامعة الإسلامية تسعى للعودة إلى التعليم الوجاهي، وقطعت شوطاً جيداً خاصة للطلبة الجدد. ومن الإجراءات التي اتخذتها الجامعة، كما يقول، استحداث عمادة التحول الرقمي وتطوير بعض المناهج لتلائم التعليم عن بعد، إضافة إلى اشتراكات في "مختبرات افتراضية" واتفاقيات مع مراكز ومستشفيات لتدريب الطلبة.

مستدركاً حديثه: "لكن لا شك أن التجارب الحيّة والتعليم المباشر على أيدي الأساتذة لا يمكن تعويضهما تماماً، كما أن التدريب العملي الإلزامي يظل شرطاً أساسياً في التخصصات الصحية على سبيل المثال".

ويخلص المناعمة إلى أن التعليم الإلكتروني في غزة أصبح حلاً اضطرارياً وليس مثالياً، خصوصاً لطلاب التخصصات العلمية، مشدداً على أهمية تحسين البنية التحتية الرقمية، وتطوير منصات تعليمية مناسبة، وتوفير دعمٍ تقني ونفسي، باعتبارها خطوات ضرورية، لضمان استمرارية التعليم العالي في خضّم الأزمات.

"بعد استئناف الدراسة، لاحظت الجامعة ضعفاً كبيراً في مهارات الطلاب، ما استدعى تخصيص فترات تأهيل، وكذلك زيادة ساعات التدريب "الإكلينيكي" للوصول إلى مستوى مرضٍ".

ومن وجهة نظر د. ضحى موسى التي تدّرس في كلية طب الأسنان في جامعة الأزهر، أن مسار التعليم الذي يدخل التدريب العملي الدقيق في صلبه يتعثّر بعض الشيء، وتشرح رأيها: "أغلب مواد التخصص لدينا تنقسم إلى شقٍ نظري وآخر عملي، ما يجعل قسماً كبيراً منها يصعب تدريسه عن بعد".

 فبعد استئناف الدراسة عقب عامين من الحرب، لاحظت الجامعة ضعفاً كبيراً في مهارات الطلاب، ما استدعى تخصيص فترات تأهيل قبل البدء في العيادات، وكذلك زيادة ساعات التدريب "الإكلينيكي" للوصول إلى مستوى مرضٍ نوعاً ما، تقول د. موسى.

وللتعليم عن بعد إيجابياته، وفق حديثها، إلا أنه في المقابل لا يستطيع الطالب معرفة مستواه العملي، ويقلّل من حصاده المعرفي، مقرّةً بالآتي: "يبقى التفاعل المباشر مع المدرسين والحضور في القاعات الدراسية، وبالأخص في المواد التي تتطلب تخيلاً وفهماً عميقاً، أمراً لا يمكن أن يماثله في الاستفادة أي بديل".

"الطالب لا يكون مؤهلاً إلا بعد اجتيازه التدريب العملي و"الإكلينيكي"، إذ لا يختلف اثنان أن الدمج بين الجانب النظري والعملي يمهد لتخريج طلاب قادرين على المنافسة".

ومع أن التحديات التي أفرزتها الحرب تفوق طاقة الجميع، ومنها ارتفاع تكلفة الخامات اللازمة لكلية "طب الأسنان"، كما تخبرنا، فإنها تجزم أن الطالب لا يكون مؤهلاً إلا بعد اجتيازه التدريب العملي و"الإكلينيكي"، إذ لا يختلف اثنان أن الدمج بين الجانب النظري والعملي يمهد لتخريج طلاب قادرين على المنافسة وجديرين في مجالاتهم.

وفي الختام، تبث الأمل بقولها إن "التعليم هو السلاح الذي لا يخيب"، وهذا ما يدفع جامعة الأزهر لبذل جهودٍ مكثفة لاستعادة "التعليم الوجاهي"، فيما تحاول الكلية والطلبة على حد سواء للوصول إلى تخريج دفعاتٍ بمستوى علمي لائق، ليبزغ بها النورُ بعد الظلام.