غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لا تجلس إيمان في خيمتها كما تجلس الأمهات عادة، فالمكان الذي يفترض أن يكون مأوى، صار شاهدًا على خسارتين تتنازعان في قلبها.. فقدٌ وقع بالفعل، وخوفٌ يترقب لحظةً أخرى قد لا تستطيع احتمالها.
في تلك الخيمة المهترئة، لا يفصلها عن الألم سوى ذاكرةٍ قريبة، ولا يربطها بالحياة سوى أملٍ يتشبث باسمٍ صغير (ريتال).
إيمان حمدونة، النازحة من بيت لاهيا شمالي قطاع غزة إلى دير البلح في وسطه، لا تروي قصتها بوصفها استثناءً، بل كواحدة من آلاف القصص التي تعيشها الأمهات اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة حربٍ لم تترك لهن خيارًا سوى الاحتمال.
لكن وجعها هي مضاعف، فهي لا تحمل فقط ذكرى طفلٍ فقدته، بل تعيش في الوقت ذاته قلقًا يوميًا على طفلةٍ تسير في المسار ذاته.
في الثاني والعشرين من شباط/فبراير 2026م، انتهت رحلة نضال. رحل الطفل بعد صراعٍ طويل، تاركًا خلفه فراغًا لا يُملأ، وصمتًا أثقل من الاحتمال.
في العشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2023م، وفي الأيام الأولى للحرب، أنجبت طفلها الأول نضال، في وقتٍ كان فيه الحصار يُحكم قبضته على كل شيء، بما في ذلك الحق في الرعاية الطبية.
لم يكن ثمة ما يكفي لحماية جسدٍ صغيرٍ خرج إلى الحياة في توقيتٍ مثقلٍ بالانهيار، ومع مرور الأيام، بدأت ملامح المرض تتسلل إليه: ضعفٌ في المناعة، والتهاباتٌ متكررة في الصدر، ثم مضاعفات قاسية أعقبت تلقيه التطعيمات.
تتذكر الأم كيف أخذت حالته بالتدهور تدريجيًا، حتى صار جسده الصغير ساحةً لمعركة طبية غير متكافئة.
تجلطات، التهابات حادة، وعمليات جراحية أُجريت في ظروفٍ شديدة القسوة داخل مستشفى كمال عدوان، ولاحقًا، كشفت الفحوصات إصابته بمرض الثلاسيميا، إلى جانب تضخم خطير في الطحال والكبد، ما استدعى نقل دم متكرر لإنقاذه، في لحظاتٍ كان فيها مستوى دمه يهبط إلى حدودٍ تهدد حياته.
وسط ذلك كله، حصل نضال على تحويلة طبية للعلاج خارج قطاع غزة، امتدت لأكثر من أحد عشر شهرًا، لكنها بقيت حبرًا على ورق. أُغلقت المعابر، وتعذّر السفر، في وقتٍ غادر فيه أطفال آخرون يعانون المرض ذاته لتلقي العلاج.
بالنسبة لأمّه، لم تكن تلك مجرد فرصة ضائعة، بل حياة كاملة لم يُسمح لها أن تستمر.
في الثاني والعشرين من شباط/فبراير 2026م، انتهت رحلة نضال. رحل الطفل بعد صراعٍ طويل، تاركًا خلفه فراغًا لا يُملأ، وصمتًا أثقل من الاحتمال.

لم يكن الفقد لحظةً عابرة، بل بدايةً لوجعٍ جديد يتشكل في قلب أمّه، فخلال تلك الرحلة، كانت إيمان تحمل حياةً أخرى في جسدٍ أنهكه التنقل بين الخيمة والمستشفى.
وُلدت ريتال في الثالث من كانون الثاني/يناير 2026م، كأنها محاولةٌ صغيرة لمقاومة الموت، لكن سرعان ما بدأت المؤشرات ذاتها بالظهور: فقر دم، مشاكل في الكبد، نقص في البروتين، وتضخم في الطحال.
لم يمض وقت طويل حتى دخلت الطفلة دوامة المرض نفسها، وكأن العائلة تُعاد إلى النقطة التي حاولت الهروب منها. لم تتجاوز ريتال شهرين من عمرها، لكنها أمضت أكثر من شهر داخل المستشفى.
احتاجت بالفعل إلى نقل دم، وتؤكد التقارير الطبية حاجتها العاجلة للعلاج خارج القطاع.
"أنجزنا إجراءات تحويلها، لكن مصيرها معلق، ينتظر قرارًا لا نملكه نحن".
تقول الأم لـ"نوى": "أنجزنا إجراءات تحويلها، لكن مصيرها معلق، ينتظر قرارًا لا نملكه نحن".
خارج جدران المستشفى، تبدو الحياة أكثر قسوة. منذ اندلاع الحرب، فقدت العائلة مصدر دخلها بالكامل، وتحولت من حياةٍ مستقرة نسبيًا إلى خيمةٍ تفتقر لأبسط مقومات العيش: لا كهرباء مستقرة، ولا مياه نظيفة كافية، ولا بيئة يمكن أن تحتضن طفلة مريضة تحتاج إلى رعاية دقيقة.
بين الخيمة والمستشفى، تتنقل الأم، كأنها تحاول أن تسدّ الفجوة بين واقعين كلاهما لا يصلحان للحياة. تزيد إيمان بصوتٍ يختنق: "لا أريد أن أعيش الفقد مرةً أخرى. كل ما أريده الآن هو فرصة لإنقاذ ريتال قبل أن يتحول الانتظار إلى وداعٍ جديد".
