خيبةٌ تلاحق أطفال غزة.. "العيدية" لن تشبه "العيد"!
تاريخ النشر : 2026-03-18 08:00

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

منذ أيام، وعبد الحميد ناصر (7 أعوام) لا ينام. يقضي ليله وهو يقلب في رأسه حسابات صغيرة، يجمع ويطرح ويعيد التقدير، كأن العيد مسألة رياضية يمكن حلها إن أُحسن ترتيب الأرقام.

يفكر في "عيديته" التي اعتاد أن يحصل عليها من أعمامه وأخواله، ومن والده الذي لا يتأخر عن إرسالها رغم سفره، ويبدأ في رسم ملامح ما سيفعله بها هذا العام.

مرة يتخيل نفسه يمسك بذراعٍ إلكتروني جديد، يوصله بالحاسوب القديم لشقيقه الأكبر، ليتمكن من ممارسة لعبته المفضلة كلما توفر التيار، ومرة أخرى يرى نفسه يركض خلف كرة قدم جديدة، يشارك بها أطفال المخيم اللعب في المساحة الضيقة بين الخيام.

لا يحتفظ عبد الحميد بهذه الأحلام لنفسه، بل يشاركها مع شقيقه الأكبر منه بعدة أعوام بصوتٍ مسموع، بينما تجلس والدته قريبة، تنصت لكل كلمة، وتدرك في داخلها أن هذا العام قد يمر بلا عيدية أصلًا.

تقول الأم: "يشترط طفلي أن تكون عيديته نقدية، من أوراق جديدة ونظيفة، ويحذرني بأنه لن يقبل عيدية مهترئة (..) لا أعلم إن كان سيحصل على أي مال نقدي، فالأوراق الجيدة نادرة، والمتوفر مهترئ".

"سأحاول تعويض أطفالي عن العيدية النقدية، سأشتري لهم ما يدخل الفرح إلى قلوبهم، بعض الحلوى ورقائق البطاطس التي يحبونها".

تستعيد في ذاكرتها أعياد ما قبل الحرب، حين كان زوجها وإخوتها يتسابقون في تقديم "العيدية" بأوراق نقدية جديدة تحمل أرقامًا متسلسلة، كأن نظافتها جزء من بهجة العيد نفسها. "أما اليوم، فتوفير أي مبلغ بات مهمة شاقة، حتى قبل التفكير في شكله".

تحاول الأم أن تبتكر بديلًا، ولو بسيطًا، يخفف من وقع الخيبة. تضيف: "سأحاول تعويض أطفالي عن العيدية النقدية، سأشتري لهم ما يدخل الفرح إلى قلوبهم، بعض الحلوى ورقائق البطاطس التي يحبونها، ربما يمنحهم ذلك إحساسًا بالعيد، حتى لو كان ناقصًا".

لا يختلف حال عبد الحميد كثيرًا عن حال آلاف الأطفال في غزة، الذين ينتظرون العيد بوصفه لحظة استثنائية تتجسد فيها فرحتهم في ورقة نقدية صغيرة.

في الظروف الطبيعية، تتزين البيوت، ويستعد الآباء بملابسهم الجديدة، يخبئون في جيوبهم ما يشبه أحلام أطفالهم. لكن هذا المشهد تغيّر، وتراجعت تفاصيله تحت ضغط الأزمات المتلاحقة.

في غزة اليوم، لا تتوقف المشكلة عند ضيق الحال، بل تمتد إلى أزمة سيولة خانقة.

تقلصت القدرة على سحب الأموال، واختفت الأوراق النقدية الجديدة تقريبًا، بينما بات المتداول منها مهترئًا، بعد سنوات من الاستخدام المتكرر دون إمدادات جديدة.

يقول أبو أحمد البيوك، وهو موظف في حكومة غزة: "هذه الأزمة خلقت لدي شعورًا بالعجز أمام أبنائي، استلمت راتبي كاملًا، لكنه كان من أوراق تالفة ومهترئة لا تصلح لشيء"، متسائلًا: "كيف يمكنني أن أجبر خاطر أطفالي؟ منذ أيام وأنا أحاول استبدالها بأوراق لائقة، حتى لو تكبدتُ بعض الخسارة. لا أريد أن يمر العيد دون أن أدخل الفرح إلى قلوبهم هذه المرة".

"المشكلة ليست في قلة قيمة العيدية، المشكلة أن الأوراق النقدية كلها مهترئة، ولن تكون فرحتهم مكتملة وهم يحملونها".

لكن الأزمة، كما يوضح كثير من الأهالي، لا تتعلق بشكل النقود فقط، بل بما تحمله من معنى، فالعيدية ليست مجرد مبلغ مالي، بل رمز لفرحٍ ينتظره الأطفال، وتعبير عن قدرة الآباء على منحهم لحظة استثنائية، ولو كانت بسيطة.

يقول أحمد أبو ندا، وهو أب لأربعة أطفال: "المشكلة ليست في قلة قيمة العيدية، فنحن نعيش ظروفًا اقتصادية قاسية، وقد فقدت منزلي وكل ما أملك خلال الحرب، وما أحصل عليه من عملي بالكاد يكفي احتياجاتنا الأساسية، المشكلة أن الأوراق النقدية كلها مهترئة، ولن تكون فرحتهم مكتملة وهم يحملونها، وقد يشعرون بأنها بلا قيمة لا سيما إذا لم يقبل تاجر أو بائع أخذها منهم".

في خيمة عبد الحميد، لا تزال الأحلام الصغيرة معلقة بين احتمالين: عيدية قد لا تأتي، أو فرحة تُستبدل بشيء آخر. ومع ذلك، يواصل الطفل حساباته، كأن الأمل نفسه لا يعرف الأزمات.

مع اقتراب العيد، تتغير ملامح المناسبة في غزة. الطقوس التي كانت تمنحه خصوصيته تتراجع واحدة تلو الأخرى، تحت وطأة الحصار والأزمة الاقتصادية. ومع ذلك، لا يتخلى الآباء عن محاولاتهم، يتمسكون بما تبقى من معنى العيد، ويجتهدون في خلق لحظات فرح، حتى لو كانت هشة ومؤقتة.

في خيمة عبد الحميد، لا تزال الأحلام الصغيرة معلقة بين احتمالين: عيدية قد لا تأتي، أو فرحة تُستبدل بشيء آخر. ومع ذلك، يواصل الطفل حساباته، كأن الأمل نفسه لا يعرف الأزمات.
في غزة، العيد ليس مجرد مناسبة عابرة، بل اختبارًا قاسيًا لقدرة العائلات على حماية ما تبقى من براءة أطفالها، حتى لو كانت في هيئة ورقة نقدية لا تُشبه العيد.