غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
دوّى صدى المجزرة سريعًا في أرجاء فلسطين المحتلة، كما لو أنّ الطريق الضيق الممتد بين نابلس وبلدة طمون أطلق صرخةً وصلت إلى كل بيتٍ يعرف معنى الفقد. في هذه البلاد، يبدو أن قدر الفلسطيني، وهو يحاول انتزاع لحظة فرح صغيرة من بين ثقل الأيام، أن يجد نفسه فجأة في مواجهة الموت.. حتى الأشياء البسيطة، كرحلة قصيرة لشراء ملابس العيد، يمكن أن تنقلب في لحظة إلى حكاية دمٍ وغياب.
هكذا انتهت رحلة عائلة بني عودة مساء الخامس عشر من آذار/مارس 2026م. السيارة التي غادرت نابلس محمّلة بأكياس الملابس الجديدة عادت شاهدةً صامتة على مجزرة، تاركة طفلين فقط ليحكيا ما حدث.
في ذلك اليوم، خرج الأب علي خالد صايل بني عودة (37 عامًا) مع زوجته وعد عثمان عقل بني عودة (35 عامًا) وأطفالهما متجهين إلى مدينة نابلس. لم تكن الرحلة طويلة، لكنها بالنسبة للأطفال بدت نافذة صغيرة على العيد الذي يقترب.
في الأسواق التي بدت شبه مغلقة بفعل التوترات المستمرة، تنقلت العائلة بين ما تبقى من المحال المفتوحة، واختار الصغار بعض الملابس الجديدة. لم تكن الأكياس كثيرة، لكنها كانت كافية لتشعل في عيونهم فرحًا بسيطًا طال انتظاره.
عندما عادوا إلى السيارة، جلس الأب خلف المقود يقود نحو طمون، وقد خفّ عنه ثقل النهار قليلًا، إلى جواره جلست الأم ترتب المشتريات بعناية، كأنها تحاول أن تحافظ على شكل الفرح حتى يصل البيت سالمًا، وفي المقاعد الخلفية، كان الأطفال يتفقدون ملابسهم الجديدة ويقارنون ألوانها، ويتحدثون عن صباح العيد كما لو أنه وعدٌ قريب ينتظرهم عند باب البيت.
لكن الطريق الذي كان يقودهم إلى المنزل انفتح فجأة على رصاصٍ كثيف، ووفق ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية الفلسطينية "وفا"، اعترضت قوات إسرائيلية خاصة السيارة وأطلقت النار عليها بشكل مباشر.
يروي خالد، أحد الطفلين الناجيين، أن اللحظة جاءت مباغتة، كأن الليل هبط فجأة فوق الطريق. يقول: "كنا عائدين من نابلس، وكان والدي قد اشترى لنا ملابس العيد. فجأة بدأ إطلاق نار كثيف، وأخذت السيارة تهتز".
يتوقف الطفل قليلًا، ثم يخبرنا أن آخر كلمة سمعها من والدته قبل أن يسكت كل شيء كانت قصيرة ومقتضبة: "خلص".
في المقاعد الخلفية، حيث بقيت أكياس الملابس مفتوحة كما تركها الأطفال، أصيب الشقيقان محمد علي خالد بني عودة (5 أعوام) وعثمان علي خالد بني عودة (7 أعوام) برصاص في الوجه والرأس، ليستشهدا بعد دقائق قليلة.
قبل لحظات فقط كانا يتجادلان حول ملابسهما الجديدة، لكن الرصاص أنهى الحديث كله دفعة واحدة.

يقول خالد إن الجنود أخرجوا الطفلين من السيارة بعد إطلاق النار، ثم ركلوه على ظهره. ويضيف: "سألتُ الجندي: هل لديك أب وأم؟ فقال نعم. قلت له: هل تحب أن يضربهما أحد؟ فقام بركلي على وجهي محاولًا إسكاتي".
عندما وصلت طواقم الإسعاف الفلسطينية إلى المكان لاحقًا، كان المشهد قد استقر على صمته الثقيل.
أفادت الطواقم أن الأب علي بني عودة أصيب بعدة رصاصات في الرأس والوجه والصدر واليد اليسرى، ليسقط خلف المقود فيما توقفت السيارة على جانب الطريق.
إلى جواره كانت الأم وعد بني عودة تحاول الالتفات نحو أطفالها في الخلف، وقد أصيبت برصاص في الوجه والرأس، لتسقط بجانب زوجها. خلال لحظات قصيرة تحولت السيارة إلى مساحة صامتة، وانهارت الرحلة التي خرجت بحثًا عن فرحٍ صغير إلى مجزرة كاملة على الطريق.
في تلك الليلة، فقدت العائلة أربعة من أفرادها: الأب علي خالد صايل بني عودة (37 عامًا)، والأم وعد عثمان عقل بني عودة (35 عامًا)، والطفلان محمد (5 أعوام)، وعثمان (7 أعوام).
أما الطفلان الناجيان فبقيا في السيارة بين أجساد عائلتهما، يواجهان لحظة يصعب على طفلين فهمها.
في غضون دقائق قليلة فقط، انقلبت رحلة شراء ملابس العيد إلى ذكرى طريقٍ غادرته عائلة كاملة ولم يعد منه إلا طفلان، يحملان وحدهما الحكاية.
لم يعد العيد في بيت بني عودة موعدًا لارتداء الملابس الجديدة، ولم تعد أكياس السوق تحمل معنى الفرح ذاته.. منذ تلك اللحظة صار الطريق بين نابلس وطمون شاهدًا آخر على حكاية فلسطينية تتكرر: عائلة خرجت تبحث عن لحظة حياة، فعادت منها بحكايةٍ ناقصة، وغاب العيد قبل أن يصل.
