كعك العيد.. رائحةٌ تُرمم ذاكرة البيوت وسط الخيام
تاريخ النشر : 2026-03-16 08:30

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عند باب خيمتها في مواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، تنكفئ ياسمين كلاب على وعاءٍ بلاستيكيٍ كبير، وتحاول دمج محتوياته. لقد أضافت لتوها السمن إلى خليط الدقيق والسميد والسمسم وحبة البركة، وبدأت بفركه لتحصل على عجينةٍ متماسكة تناسب صناعة كعك العيد.

على جنب حضرت خليط التمر المطحون، الممزوج بالقرفة وجوزة الطيب، وشكلته على هيئة كرات صغيرة لحشوها في العجينة، ثم رصّها في الصواني المعدنية الجاهزة للذهاب إلى فرن الطينة القريب، حيث الحاجة أم محمد تخبزها مقابل مبلغٍ بسيط.

قررت ياسمين أن تصنع الفرحة على رائحة الكعك الفلسطيني، وببعض الملابس التي ابتاعت معظمها من "البالة"، وخيط زينةٍ شاحب، تتدلى منه بالونات ملونة.

للمرة الأولى منذ عامين، تعود ياسمين لتعيش هذا الطقس المتوارث، بعد حربٍ ضروس، أخذت من الحياة بهجتها، ومن الاستقرار معناه، ومن البيوت الدفء والضحكة والأمان.

ورغم عدم التزام الاحتلال الإسرائيلي بإعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، قررت السيدة (وهي في مطلع الأربعين) أن تصنع الفرحة على رائحة الكعك الفلسطيني، وببعض الملابس التي ابتاعت معظمها من "البالة" (سوق الملابس المستعملة) لأطفالها، وخيط زينةٍ شاحب، تتدلى منه بالونات ملونة، قالت إنها ستملأ بها الخيمة أول أيام العيد.

"قبل الحرب كنت أجتمع في مطبخي الواسع مع سلفاتي. نجهز كعك العيد، بحشواته المختلفة، العجوة المنكهة، والفستق الحلبي، والجوز، والحلقوم. كنا نقضي يومنا بطوله نتسامر ونضحك".

تقول: "قبل الحرب، عندما كنت أسكن في بيتٍ بمساحة 180 مترًا، كنت أجتمع في مطبخي الواسع مع سلفاتي. نجهز كعك العيد، بحشواته المختلفة، العجوة المنكهة، والفستق الحلبي، والجوز، والحلقوم. كنا نقضي يومنا بطوله نتسامر ونضحك، وعند الفرن ننشد أناشيدنا التراثية، ونتغنى بليالي العيد. اليوم لم نعد نملك شيئًا إلا الذكريات".

تكتفي ياسمين اليوم بأساور كعك العجوة، الذي كلفها مبلغًا وقدره، وتضيف: "عاهدت نفسي أن أصنع الكعك هذا العيد، وأن أوزع منه على الأحبة في المخيم لأنال الثواب، وأساهم في صناعة البهجة".

في خيمةٍ أخرى، انتصبت رغم عتاوة الرياح أمام ميناء غزة، تجتمع أم ليان (التي اكتفت بذكر كنيتها) بناتها الصبايا الثلاث حولها. يدحرجن العجوة لصناعة عيدان، ثم يحشينها في عجينةٍ تتناسب مع حجمها، ويصنعن أساور ناعمة متوسطة المقاس.

تقول لـ"نوى": "حين نصنع كعك العيد نشعر أننا ما زلنا عائلة، وأن حياتنا لم تتحول كلها إلى حرب وخيام. الكعك يذكّرنا ببيوتنا التي فقدناها"، موضحةً أن هذه الطقوس من شأنها أن تحمي الأطفال من قسوة الواقع "فالأطفال ينتظرون العيد مهما كانت الظروف. نصنع الكعك لأجلهم، حتى لا يشعروا أن الحرب سرقت منهم كل شيء".

وتشير سمر القدرة، التي تعيش في جزءٍ من بيتها الذي دمر معظمه القصف في منطقة الشيخ رضوان، غربي مدينة غزة، إلى أن العيد بدون كعك يبدو وكأنه يوم عادي من أيام النزوح، وتعلق: "نصنعه كنوع من التمسك بالأمل، وكأننا نقول للحرب إننا ما زلنا قادرين على الفرح".

"قبل الحرب كان الوضع مختلفًا. كنا نتفنن في صناعة ضيافة العيد: بالعجوة وعين الجمل والملبن بالإضافة إلى حلويات أخرى كنا نصنعها بالشوكولاتة والمكسرات".

لاستقبال هذا العيد، صنعت سمر الغُريّبة، والمعمول بالعجوة، والمقروطة، بكمياتٍ قليلة، "فقط لتشعر أهل البيت ببهجة العيد"، "لكن قبل الحرب كان الوضع مختلفًا. كنا نتفنن في صناعة ضيافة العيد: بالعجوة وعين الجمل والملبن بالإضافة إلى حلويات أخرى كنا نصنعها بالشوكولاتة والمكسرات" تستدرك.

رغم ذلك، تؤكد أن أبناء شقيقها الذين يعيشون معها في البيت نفسه، كادوا يطيرون من الفرحة وهم يستنشقون رائحة الكعك المنتشرة في الجو، بل إن أحدهم كاد أن يُفطر ليتذوقها بعد انقطاع عامين، لولا حزم أمه.

وتحكي الحاجة أم ياسين فرج: "صنعناه هذا العام لنحيي تقليدًا اجتماعيًا عائليًا. كنا نصنع الكعك في البيت مع الجارات والقريبات. اليوم نصنعه في الخيام، لكننا نحاول الحفاظ على نفس الطقوس حتى لا تضيع العادات".

وتكمل السيدة التي تعيش في خيمةٍ في حي النصر غربي غزة: "شعرنا عندما صنعنا الكعك بالتعويض الرمزي عن فقدان البيت. الخيمة ليست بيتًا، لكن رائحة الكعك تعطي إحساسًا مؤقتًا بأن المكان صار أقرب للبيت".

وتقاطعها ابنتها هدى لتكمل: "هو رسالة صمود. حتى لو كان الدقيق قليلًا والسكر غاليًا، نصنع الكعك لأن العيد جزء من هويتنا. الحرب لا تستطيع أن تمحو هذه التفاصيل"، مردفةً بنبرة عنفوان: "صنعنا لحظة فرح جماعي نادرة لم نحظَ بها منذ عامين. حين يجتمع الأطفال حول صاج الكعك أو الصينية، للحظات ينسون الخيمة والبرد والخوف. هذه اللحظات تستحق العناء".

ليست المسألة مجرد حلوى تُخبز في صوانٍ معدنية، بل طقسٌ جماعيّ يصرّ الغزيون على إحيائه، كأنهم يعيدون عبره ترتيب الحياة المبعثرة حولهم.

في الخيام التي لا تشبه البيوت، وفي الأزقة الرملية التي صارت بديلًا مؤقتًا للشوارع، تتصاعد رائحة كعك العيد كأنها محاولة صغيرة لاستعادة ما سلبته الحرب.

ليست المسألة مجرد حلوى تُخبز في صوانٍ معدنية، بل طقسٌ جماعيّ يصرّ الغزيون على إحيائه، كأنهم يعيدون عبره ترتيب الحياة المبعثرة حولهم.

فحين تمتد الأيادي لتشكيل العجين، وتمتلئ الخيام برائحة السمسم والعجوة، يصبح العيد ممكنًا ولو على استحياء. وفي تلك اللحظات القصيرة التي يلتف فيها الأطفال حول الصواني الساخنة، تتراجع الخيمة قليلًا عن كونها مأوى اضطراريًا، وتقترب -لو للحظات- من معنى البيت.