غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
من قلب المعاناة ووسط ركام حرب الإبادة، وبين خيام النزوح التي اكتظت بالنساء والأطفال، وُلدت مبادرة "الخيمة النسوية". ليست خيمة مأوى، بل بمثابة بيتٍ بديل، لا يُغني المرأة النازحة عن منزلها المدمر، لتمنح النساء حضناً دافئاً ومساحةً آمنة، تُخفّف عنهن وطأة خسارة المنازل والذكريات، وتُعيد إليهن شيئاً من الطمأنينة أمام واقع لا يضاهي قسوته شيء.
تستقبل الخيمة النساء من كل الأعمار، بدءًا من فتيات صغيرات في سن العاشرة إلى جداتٍ في السبعين (..) لم يكن هناك تقسيم للفئات، فالمعيار الأهم تنوع الأنشطة لتلبي احتياجات الجميع.
بعد أربعة شهور من اندلاع الحرب الإسرائيلية المجنونة على قطاع غزة، قررت مجموعةٌ من النساء تأسيس خيمةٍ خاصة بالنساء داخل أحد مخيمات النزوح، في مخيم "بسمة أمل" بمخيم النصيرات للاجئين وسط القطاع، لتتولى قيادة المبادرة منيرة الشافعي التي أدركت باكراً أن النساء هن الأكثر حاجةً للاحتواء والملاذ الآمن، لما لحق بهن من مآسٍ ومعاناة جراء الحرب.
تقول مديرة "الخيمة النسوية" لـ "نوى" إنها عملت مع فريقٍ مكونٍ من ست متطوعات مثقفات على تأسيس الخيمة، رغم شح الإمكانيات وكثرة التحديات. والهدف منها، حسبما تضيف الشافعي، لم يكن سقفاً يحمي من برد أو حر، بل مساحةً تعيد شيئاً من دفء البيت المفقود وتًخفف آلام النزوح.
وتستقبل الخيمة النساء من كل الأعمار، بدءاً من فتيات صغيرات في سن العاشرة إلى جداتٍ في السبعين. لافتةً إلى أنه لم يكن هناك تقسيم للفئات، فالمعيار الأهم تنوع الأنشطة لتلبي احتياجات الجميع، وزرع الأمل بواسطة جلسات دعمٍ نفسي وأنشطة تعليمية ودينية، لتشعر المشاركات بأنهن ما زلن جزءاً من مجتمعٍ حي قادرٍ على النهوض.
وتشيد النساء اللواتي يُقبلن على الخيمة النسوية لدرجة وصفها بـ "الجامعة النسوية"، لما تقدمه من برامج تثقيفية ودورات علمية، مما يبعث السرور في قلب منيرة الشافعي، كما تقول. ورغم غياب الدعم المؤسسي نجحت الخيمة في تقديم برامج مفيدة ومتنوعة، أبرزها عقد دوراتٍ دينية في الفقه الجامع الخاص بالمرأة المسلمة، والأحكام التأهيلية في القرآن الكريم، ودروس التفسير الممتدة.
وبإشراف متخصصات تُقدم جلسات الدعم النفسي لبثّ الصبر والأمل في النفوس، إضافةً إلى أنشطة ثقافية وصحية، وأيام رياضية، وورشات في التطريز والإسعافات الأولية والتوعية الأمنية، تبعاً لحديثها.
ومن ضمن أنشطة الخيمة البارزة، تشير إلى عقد "مخيم إشراق" الذي استمر شهرين، واستضاف شخصياتٍ نسائية من تونس والمغرب، لتعزيز التواصل مع العالم الخارجي، وبهدف الانفتاح على تجارب جديدة.
"أكبر العقبات التي تواجه الخيمة القصف المتكرر الذي يهدَّد حياة النساء والأطفال، وكذلك نقص الموارد المادية اللازمة لتوسيع الأنشطة".
وحرصت إدارة الخيمة على تنظيم أمسيات متواضعة واحتفالاتٍ صغيرة وزّعت فيها هدايا رمزية، في محاولة لإدخال الفرح إلى قلوب النساء، حتى وإن كانت الإمكانيات محدودة.
وفي سؤالها عن العقبات التي تواجه "الخيمة النسوية"، تخبرنا بقولها: "القصف المتكرر الذي يهدَّد حياة النساء والأطفال، وكذلك نقص الموارد المادية اللازمة لتوسيع الأنشطة. على سبيل المثال، دورة التطريز كانت تتطلب أدواتٍ وأقمشة لم تتوفر إلا بجهودٍ شخصية بسيطة".
ومع ذلك، تبدي الشافعي وفريقها إصرارًا على مواصلة العمل واستمرار الأنشطة، مؤمنةً بقوة أن "ما عند الله خيرٌ وأبقى". وما يُشجعها وفريقها أن الخيمة النسوية لم تقتصر على نساء المخيم الذي أقيمت فيه، بل سرعان ما ذاع صيتها، فبدأت النسوة يتوافدن إليها من مخيماتٍ أخرى، لتلّقي العلم النافع والمحتوى النفسي الراقي، والكلام لها. معبرةً عن ارتياحها لأن "هذا الإقبال شكَّل دافعاً إضافياً للقائمات على المبادرة للمضي قدماً، رغم الصعوبات وشحّ الإمكانيات".
الخيمة النسوية كما يصفها فريقها ليست مجرد قماشٍ مشدودٍ إلى أعمدة، بل قصةً إنسانية عن صمود المرأة في غزة، وقدرة النساء على تحويل الألم إلى أمل.
وتأمل أن تصبح الخيمة "منارةً دائمةً للنساء، وأن تحظى بالدعم الذي يراعي احتياجاتهن". مردفةً حديثها: "مع اقتراب عيد الفطر، اقترحت النساء تنظيم فعاليةً جماعية لتحضير كعك العيد داخل الخيمة، في رغبة منهن لاستعادة أجواء البيت واللّمة التي فقدنها".
الخيمة النسوية في نظر المسؤولة وفريقها والمستفيدات من أنشطتها، ليست مجرد قماشٍ مشدودٍ إلى أعمدة، بل قصةً إنسانية عن صمود المرأة في غزة، وقدرة النساء على تحويل الألم إلى أمل، والدمار إلى مساحة حياةٍ جديدة.
