الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
قبل دقائق قليلة من أذان المغرب، كان أبو محمد (الذي اكتفى بذكر كنيته) يجوب شوارع مدينة يطا بخطوات متثاقلة، يراقب المارة والبسطات ومحالّ الطعام التي بدأت تستعد لاستقبال الصائمين.
لم يكن يبحث عن رفاهية الإفطار، بل عن أي شيء يسدّ به جوع أطفاله. قبل ساعات فقط، كانت زوجته قد طلبت منه أن يتدبّر شيئًا للمائدة، فالمطبخ خالٍ تقريبًا، وجرة الغاز غائبة عن البيت منذ أكثر من أسبوعين.
"حياتي لم تكن سهلة خلال العامين الماضيين، لكنني كنتُ قادرًا على تدبير أموري. غير أن الحرب الأخيرة عمّقت الأزمة إلى حدّ غير مسبوق".
خرج الرجل من بيته بلا خطةٍ واضحة، حاملًا معه قلقًا ثقيلًا وأسئلة أثقل: كيف سيعود إلى أطفاله؟ وكيف سيواجه نظراتهم عند الغروب؟ ومع مرور الوقت، بدأ الأمل يتآكل.. الساعات مضت ببطء، واتصالات زوجته المتكررة كانت تزيد شعوره بالعجز، وحين دوّى صوت أذان المغرب أخيرًا، لم يكن قد تمكن من توفير شيء.
عاد إلى منزله مثقلًا بالإحباط، لكنه فوجئ بأن أبناءه تدبّروا أمرهم بوجبة كريمة وصلت إليهم من إحدى التكايا الرمضانية في المدينة. لحظة صغيرة أعادت شيئًا من الطمأنينة إلى البيت، وأثبتت له أن هناك يدًا خفية ما زالت تمتد في هذا الزمن الصعب لتطعم الجائعين.

يقول لـ"نوى": "حياتي لم تكن سهلة خلال العامين الماضيين، لكنني كنتُ قادرًا على تدبير أموري. غير أن الحرب الأخيرة عمّقت الأزمة إلى حدّ غير مسبوق، فحالة عدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد دفعت كثيرين إلى تأجيل مشاريعهم وأعمالهم، ما انعكس مباشرة على العمال وأصحاب الدخل المحدود". ومع تراجع الفرص وارتفاع تكاليف المعيشة، أصبح كثيرون يجدون أنفسهم فجأة على حافة العوز.
أبو محمد ليس حالةً فردية، بل انعكاس لواقع اقتصادي قاسٍ يزداد حضورًا في مدن الضفة الغربية. معدلات الفقر والبطالة في ارتفاع مقلق، بينما تتآكل قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية.
تبرز التكايا الرمضانية كواحدة من أهم شبكات الأمان الاجتماعي، حيث تتحول خلال رمضان إلى شريان حياة لآلاف العائلات التي لم تعد قادرة على تأمين وجبة الإفطار.
في هذا المشهد الثقيل، تبرز التكايا الرمضانية كواحدة من أهم شبكات الأمان الاجتماعي غير الرسمية، حيث تتحول خلال شهر رمضان إلى شريان حياة لآلاف العائلات التي لم تعد قادرة على تأمين وجبة الإفطار.
في مدينة الخليل، تقف التكية الإبراهيمية كواحدة من أقدم وأبرز هذه المبادرات، عمرها يتجاوز سبعة قرون، لكنها ما زالت تؤدي الدور ذاته الذي أنشئت من أجله: إطعام المحتاجين بلا مقابل.
يقول أمجد كراجة، مدير عام التكية لـ"نوى": "التكية تعد إحدى الدوائر التابعة للإدارة العامة لأوقاف الخليل، وترتبط تاريخيًا بالحرم الإبراهيمي الشريف"، مضيفًا: "هذا الإرث الممتد لأكثر من 700 عام يجعل التكية جزءًا أصيلًا من هوية المدينة، ومصدرًا دائمًا للعطاء الذي لا ينقطع".
وتعمل التكية على مدار العام، إلا أن نشاطها يبلغ ذروته في شهر رمضان. خلال هذا الشهر، يتحول المطبخ الكبير إلى خلية عمل يومية، حيث تُطهى اللحوم والدجاج بكميات كبيرة بفضل تبرعات ثابتة من أفراد ومؤسسات.
يوضح كراجة أن كميات الطعام التي تُحضّر يوميًا كبيرة جدًا؛ إذ قد تصل إلى نحو 800 كيلوغرام من لحم الخروف أو 900 كيلوغرام من لحم العجل، إضافة إلى ما يقارب 1000 كيلوغرام من الدجاج.
هذه الكميات تُترجم في النهاية إلى نحو ثلاثة آلاف وجبة يوميًا، تُوزّع على مئات الأسر المحتاجة في المدينة.
ويقدّر أن نحو 500 أسرة تستفيد يوميًا من خدمات التكية خلال شهر رمضان، مشيرًا إلى أن التمويل في هذا الشهر يعتمد بالكامل تقريبًا على تبرعات المتبرعين.
ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة، يقول: "التكية لم تسجل توسعًا كبيرًا في نطاق المستفيدين جغرافيًا خارج المدينة، لكن بعض العائلات أصبحت تعتمد عليها بشكل شبه يومي لتأمين وجباتها".
الإقبال الكبير على التكية في بعض الأيام يفوق قدرة المكان على الاستيعاب، ما يدفع القائمين عليها إلى التفكير في توسعة المبنى وتطويره بطرق صحية حديثة.
أما من حيث الموارد، فيوضح كراجة أن حجم الإنفاق الشهري خلال رمضان قد يصل إلى نحو مليون ونصف المليون شيكل أو أكثر، وهو مبلغ يتم تغطيته من خلال شبكة واسعة من المتبرعين داخل فلسطين وخارجها، إضافة إلى الوفود المسلمة التي تزور الحرم الإبراهيمي والتكية، فضلًا عن الأرصدة الخاصة بالتكية نفسها.
ومع ذلك، لا تخلو المهمة من التحديات، فالإقبال الكبير على التكية في بعض الأيام يفوق قدرة المكان على الاستيعاب، ما يدفع القائمين عليها إلى التفكير في توسعة المبنى وتطويره بطرق صحية حديثة، لضمان استمرار تقديم الخدمة للأعداد المتزايدة من المحتاجين.

وفي مدينة دورا جنوبي الخليل، لا يبدو المشهد مختلفًا كثيرًا. فالتكية التي تُعرف باسم "تكية سيدنا نوح" تشهد بدورها تزايدًا ملحوظًا في أعداد المستفيدين، وهو ما يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها العائلات في المنطقة.
يقول بسام فقوسة، مدير عام التكية: "إن الإقبال على خدماتها ازداد بشكل واضح خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لكن الحرب الأخيرة دفعت الأعداد إلى الارتفاع بشكل غير مسبوق. فبعد أن كانت التكية تقدّم ما بين 250 إلى 300 وجبة يوميًا، باتت اليوم تخدم ما يقارب 800 عائلة.
هذه الزيادة الكبيرة في أعداد المستفيدين لا تعكس فقط اتساع رقعة الفقر، بل تكشف أيضًا عن تغير في طبيعة الفئات التي تحتاج إلى المساعدة. فإلى جانب العائلات الفقيرة تقليديًا، بدأت التكايا تستقبل عمالًا فقدوا مصادر رزقهم، وموظفين تراجعت قدرتهم الشرائية، بل وحتى عائلات كانت تُعرف سابقًا بأنها من الطبقة المتوسطة.
"موارد التكية تعتمد أساسًا على تبرعات أهالي المدينة والمحافظة، إضافة إلى الدعم الذي تقدمه بعض الجمعيات الخيرية، وهو ما يسمح باستمرار عملها رغم التحديات المتزايدة".
ويشير فقوسة إلى أن موارد التكية تعتمد أساسًا على تبرعات أهالي المدينة والمحافظة، إضافة إلى الدعم الذي تقدمه بعض الجمعيات الخيرية، وهو ما يسمح باستمرار عملها رغم التحديات المتزايدة.
هذه الشهادات القادمة من يطا والخليل ودورا ترسم صورة واضحة لحجم التحولات الاقتصادية التي تشهدها الضفة الغربية. فالفقر لم يعد محصورًا في الفئات الأكثر هشاشة، بل أخذ يمتد تدريجيًا ليطال شرائح أوسع من المجتمع، بما في ذلك العمال وأصحاب المهن البسيطة وحتى بعض العائلات المستورة.
تعكس التكايا في الضفة الغربية قدرة المجتمع على ابتكار أشكال تضامن تحاول سدّ الفراغ الذي تتركه الأزمات الاقتصادية المتلاحقة.
وسط هذا الواقع المتغير، تتحول التكايا الرمضانية إلى أكثر من مجرد مطابخ خيرية تقدم وجبات مجانية، فهي تمثل ذاكرة اجتماعية حية لفكرة التكافل التي طالما شكلت أحد أعمدة المجتمع الفلسطيني، كما أنها تعكس قدرة المجتمع على ابتكار أشكال تضامن تحاول سدّ الفراغ الذي تتركه الأزمات الاقتصادية المتلاحقة.
لكن استمرار هذا الدور الحيوي لا يمكن أن يعتمد على المبادرات الفردية وحدها، فمع اتساع رقعة الحاجة، تصبح التكايا بحاجة إلى دعم أوسع وأكثر استدامة، سواء من المؤسسات الرسمية أو من المبادرات المجتمعية، لضمان أن يبقى هذا الباب مفتوحًا أمام كل من يقف عنده بحثًا عن وجبة تسند يومه.
