"فسيخ العيد" في مركز إيواء بغزة!
تاريخ النشر : 2026-03-12 13:39

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في زاوية ضيقة داخل مركز إيواء مكتظ غرب مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، تنحني الثلاثينية جواهر حمودة فوق وعاء بلاستيكي كبير، تُدخل الملح المخلوط بالكركم بعناية في تجاويف السمك بعد أن جففته جيدًا. تعمل ببطء ودقة، وكأنها لا تُحضّر طعامًا فحسب، بل تُعيد ترتيب جزء صغير من حياتها التي بعثرتها الحرب.

تنظر إلى ما أنجزته بشيء من الفخر: بعد عامين من النزوح والخسارة، تعود جواهر أخيرًا إلى مشروعها الصغير الذي اختفى مع اندلاع الإبادة في قطاع غزة؛ المشروع الذي كان يومًا جزءًا من يومياتها ومصدر دخلها، قبل أن تُفقدها الحرب منزلها وأدواتها وكل ما اعتادت عليه.

بعد الانتهاء من تمليح السمك، تصفّ حبات الفسيخ داخل دلاء بلاستيكية مخصصة للكبس، تغمرها بطبقات كثيفة من الملح وتغلقها بإحكام.

يبدو المشهد بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه بالنسبة لجواهر عمل يحتاج إلى صبر وخبرة طويلة، فإعداد الفسيخ بالنسبة لها لم يكن يومًا مجرد حرفة منزلية، بل طقسًا يوميًا يعيد إليها شعور الاستقرار الذي افتقدته.

قبل الحرب، لم يكن عمل جواهر في تجهيز الفسيخ يقتصر على مواسم الأعياد، فقد اعتاد زبائنها شراءه في أوقات مختلفة من العام، حتى أصبح مشروعًا منزليًا يوفر لها دخلاً خاصًا يساعدها في تلبية احتياجات أسرتها وأطفالها.

تقول لـ"نوى": "كان العمل بسيطًا ويتم داخل مطبخ منزلي، لكنه كان يوفر لي دخلًا خاصًا يساعدني في تلبية احتياجات أسرتي وأطفالي. اليوم أنا أحوج من أي وقت مضى للعودة إليه، لأننا فقدنا كل شيء وعدنا تقريبًا إلى نقطة الصفر".

عامان كاملان قضتهما جواهر في التنقل من نزوح إلى آخر. تبدأ بسرد محطات الرحلة الثقيلة: "البداية كانت في رفح، ثم خانيونس، وبعدها دير البلح، قبل أن نعود أخيرًا إلى خانيونس داخل مركز إيواء".

خلال تلك الفترة، تقول إن "الحياة فقدت ملامحها الطبيعية، حتى الأعياد لم تعد تشبه نفسها.. لم تكن هناك مظاهر للعيد. الأسواق شبه خالية، والناس بالكاد يجدون احتياجاتهم الأساسية".

تتذكر جواهر تلك الفترة بمرارة واضحة، وتكمل: "كنت أشعر بغصة في حلقي وأنا عاجزة عن متابعة عملي. لم يكن أي من معدات تجهيز الفسيخ متوفرًا في الأسواق (..) في أول رمضان بعد الإبادة لم يكن هناك سمك ولا ملح، وفي العام الذي تلاه توفر السمك قليلًا لكن الملح كان باهظ الثمن، وهو أساس تجهيز الفسيخ".

لم يكن غياب السمك المشكلة الوحيدة، حتى الأدوات البسيطة التي يعتمد عليها عملها اختفت من الأسواق؛ الدلاء الخاصة بالكبس، الميزان، وحتى الملح الذي يشكل الركيزة الأساسية لهذه الحرفة أصبح سلعة نادرة يصعب الحصول عليها، ومع كل يوم يمر، كانت فكرة العودة إلى العمل تبدو أبعد.

لكن هذا العام حمل تحولًا صغيرًا. مع إعلان وقف إطلاق النار وبدء دخول بعض المواد الغذائية والمجمدات إلى الأسواق، بدأت جواهر تراقب البسطات بعين مختلفة.

"العودة للعمل تعني شراء الأدوات والسمك والملح والكركم، وأنا لا أملك أي مال (..) اضطررتُ للاستدانة من بعض المعارف حتى أبدأ من جديد".

تقول: "كنت أتلهف رغمًا عني، وتبحث عيوني عن أصناف السمك التي اعتدت استخدامها في تجهيز الفسيخ".

عاد السمك إلى السوق، لكن بأسعار مضاعفة، ورغم ذلك، قررت جواهر ألا تنتظر أكثر. تخبرنا: "العودة للعمل تعني شراء الأدوات والسمك والملح والكركم، وأنا لا أملك أي مال (..) اضطررتُ للاستدانة من بعض المعارف حتى أبدأ من جديد".

قبل نحو أسبوعين من حلول شهر رمضان، بدأت رحلتها الشاقة لتجهيز الكمية الأولى. اشترت المستلزمات الأساسية رغم ارتفاع أسعارها، ثم بدأت البحث عن السمك المناسب.

وتوضح أن تأمين الكمية المطلوبة لم يكن مهمة سهلة، إذ استغرقت ثلاثة أيام كاملة من التنقل بين الأسواق والمحال في مدينة غزة.

تضحك وهي تستعيد تلك الأيام قائلة: "كان الأمر أشبه بتحدٍ لكل الظروف، كنت بحاجة للعمل وللنجاح مهما كان الثمن".

في الظروف الطبيعية، تعتمد جواهر على سمك الجرع في إعداد الفسيخ، لكن قلة توفره هذا العام دفعتها لاستخدام سمك البوري أيضًا.

وتشرح الفرق ببساطة خبيرة: "الجرع عادةً قصير وخفيف، أما البوري فأطول وأكثر امتلاءً باللحم، لكن الطعم في النهاية يبقى متقاربًا".

المفاجأة الحقيقية جاءت بعد أن أعلنت عبر صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي أنها انتهت من تجهيز الفسيخ للعيد وفتحت باب الحجز.. خلال ساعات قليلة فقط بدأت الاتصالات تتوالى، ومعها طلبات الحجز والاستفسار.

"يكفيني أن زبائني ما زالوا يحرصون على شراء الفسيخ مني، وأن عامي الحرب لم ينسهم جودته".

لم تتوقع جواهر أن يحدث ذلك بهذه السرعة، فخلال يوم واحد تقريبًا قاربت الكمية التي أعدتها على النفاد، في إشارة واضحة إلى أن زبائنها القدامى لم ينسوا طعم الفسيخ الذي اعتادوا شراءه منها قبل الحرب.

تقول بابتسامة امتنان واضحة: "يكفيني أن زبائني ما زالوا يحرصون على شراء الفسيخ مني، وأن عامي الحرب لم ينسهم جودته".

ورغم أن هامش الربح الذي تحققه من هذا العمل لا يزال محدودًا مقارنة بحجم الجهد المبذول، إلا أن جواهر تنظر إليه كفرصة نجاة صغيرة لها ولعائلتها، خصوصًا بعد أن دمرت الحرب منزلها وقصفت المحال التجارية الخاصة بزوجها.

تقول: "أريد فقط أن أشتري لأطفالي ملابس العيد، وأن يأكلوا طعامًا جيدًا وهم صائمون، بعد شهور طويلة من التجويع، لا يمكننا أن ننسى ما مررنا به بسهولة".

بالنسبة لجواهر، لا يمثل هذا المشروع مجرد مصدر دخل مؤقت. إنه محاولة للوقوف مجددًا بعد أن سلبتها الحرب كل شيء تقريبًا.

بالنسبة لجواهر، لا يمثل هذا المشروع مجرد مصدر دخل مؤقت. إنه محاولة للوقوف مجددًا بعد أن سلبتها الحرب كل شيء تقريبًا؛ محاولة صغيرة لاستعادة القدرة على العمل، وعلى الإيمان بأن الحياة يمكن أن تستمر رغم كل شيء.

تحلم جواهر بأن تتمكن يومًا ما من الحصول على منحة أو دعم صغير يساعدها على تطوير مشروعها وافتتاح محل خاص بها. لكن حتى يتحقق ذلك، ستواصل العمل بالطريقة التي تعرفها جيدًا: إعداد الفسيخ بصبر، وانتظار النتيجة.