غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في سوقٍ صغير بمدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، كانت أحلام عبد الله (45 عامًا) تسابق الوقت بين البسطات. لم تكن تبحث عن رفاهية التسوق، بل عن الخبز والزيت وأي شيء يمكن تخزينه قبل أن تقفز الأسعار مرة أخرى.
منذ لحظة إعلان التحالف الإسرائيلي الأمريكي بدء الحرب على إيران في 28 فبراير 2026م، فهمت أحلام -مثل آلاف الغزيين- أن حربًا تدور على بعد آلاف الكيلومترات قد تصل ارتداداتها سريعًا إلى موائدهم الفارغة.
تقول وهي تحمل أكياسًا صغيرة بالكاد تكفي أيامًا قليلة: "حتى الحرب التي تجري في إيران ندفع ثمنها نحن في قطاع غزة. فورًا أغلق الاحتلال معابر القطاع وارتفعت الأسعار، وبات الخوف من عودة الحرب علينا أقرب. إسرائيل لم تلتزم أصلًا باتفاق وقف إطلاق النار، وكل حرب في المنطقة تعني أننا سندفع الثمن من جديد".

لم يكن خوفها مبالغة، فمع بدء الحرب، أغلق الاحتلال الإسرائيلي معابر قطاع غزة قبل أن يعيد فتحها جزئيًا بعد أربعة أيام فقط لإدخال بعض المساعدات.
وبين الإغلاق الجزئي والتقطير في إدخال السلع، بدا المشهد وكأن الحرب الجديدة منحت الحكومة الإسرائيلية فرصة إضافية لإحكام الخناق على قطاعٍ منهك أصلًا بعد حرب إبادة مدمرة.
ومع انشغال العالم بتداعيات الحرب الإقليمية، تتصاعد تساؤلات ملحّة: هل أصبحت غزة مرة أخرى الضحية الصامتة لحرب لا تدور على أرضها؟
ترى المحللة السياسية الدكتورة أماني القرم أن للحرب على إيران ارتدادات سياسية واضحة على القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها تراجعها الحاد على سلم الاهتمامات الدولية، موضحةً أن انشغال الإدارة الأمريكية بملفات الحرب الجديدة -حيث يتولى ملف السياسة الخارجية شخصيات مثل كوشنير وويتكوف- أدى عمليًا إلى دفع الملف الفلسطيني نحو الهامش.
"الحرب دفعت دول العالم إلى الانكفاء على مصالحها الاقتصادية والأمنية، خصوصًا مع ارتباط إيران بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم".
وتضيف القرم: "الحرب دفعت دول العالم إلى الانكفاء على مصالحها الاقتصادية والأمنية، خصوصًا مع ارتباط إيران بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم". فالمضيق يمر عبره نحو 25% من النفط العالمي المتجه إلى أوروبا ودول الشرق الأدنى، ما يعني أن أي اضطراب هناك ينعكس فورًا على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
ومع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد المخاوف الأمنية في المنطقة، باتت الأولوية لدى الدول حماية مصالحها، لا متابعة ما يجري في غزة.
وتشير إلى أن هذا التحول انعكس مباشرة على التغطية الإعلامية أيضًا، إذ تراجع حضور القضية الفلسطينية في وسائل الإعلام العالمية التي كانت تمثل إحدى أهم الأدوات لنقل الرواية الفلسطينية ومواجهة السردية الإسرائيلية. وهكذا، وجدت غزة نفسها مرة أخرى خارج دائرة الضوء، في لحظة تحتاج فيها أكثر من أي وقت مضى إلى اهتمام العالم.
"هذا التحول انعكس على التغطية الإعلامية أيضًا، إذ تراجع حضور القضية الفلسطينية في وسائل الإعلام العالمية التي كانت إحدى أهم الأدوات لنقل الرواية الفلسطينية".
وترى القرم أن أحد أخطر ارتدادات هذه الحرب يتمثل في اتساع هامش المناورة أمام الحكومة الإسرائيلية. فبينما ينشغل العالم بالحرب الجديدة، يواصل رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو المماطلة في تنفيذ التفاهمات المتعلقة بوقف إطلاق النار في غزة، كما يعرقل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.
وتوضح أن ما يُعرف بخطة ترمب -التي تضمنت عشرين بندًا لمعالجة الوضع في غزة- يواجه تعثرًا واضحًا، كان أول مؤشراته استمرار إغلاق المعابر والتحكم الإسرائيلي الصارم بكميات المساعدات. وفق التقديرات، لم تتجاوز الكميات التي دخلت القطاع نحو 10% فقط من الاحتياجات الفعلية للسكان، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية للاتفاق.
"اللجنة الإدارية التي أُنشئت لبدء جمع أموال إعادة إعمار غزة لم تتلق حتى الآن أي مساهمات مالية، ما يعني أن عملية إعادة الإعمار لا تزال حبرًا على ورق".
وتضيف القرم: "الخطة تضمنت أيضًا نشر قوات دولية لحفظ السلام، إلا أن مؤشرات التردد بدأت تظهر، مع أنباء عن احتمال تراجع بعض الدول، مثل أندونيسيا، عن المشاركة في هذه القوات"، كما أن اللجنة الإدارية التي أُنشئت لبدء جمع أموال إعادة إعمار غزة وافتتحت حسابًا مصرفيًا لهذا الغرض لم تتلق حتى الآن أي مساهمات مالية، ما يعني أن عملية إعادة الإعمار لا تزال حبرًا على ورق.
وفي ظل هذا الجمود السياسي، تخشى القرم أن تستغل "إسرائيل" انشغال العالم لتكثيف سياساتها في القدس والضفة الغربية، سواء عبر تسريع الاستيطان أو توسيع مشاريع الضم والتهجير، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد في الأراضي الفلسطينية.

غير أن ارتدادات الحرب لا تقف عند حدود السياسة. فاقتصاد قطاع غزة -الذي كان أصلًا على حافة الانهيار- تلقى بدوره ضربة إضافية. فمنذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في السابع من أكتوبر 2023م، يعيش القطاع حالة انهيار اقتصادي غير مسبوقة، تفاقمت رغم إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025م، مع استمرار الخروقات الإسرائيلية على الأرض.
يقول المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر: "الحرب على إيران لا يفترض -نظريًا- أن يكون لها تأثير مباشر كبير على اقتصاد غزة، لأن الوضع الاقتصادي في القطاع كان سيئًا أصلًا قبل اندلاعها".
ويشير إلى أن دولة الاحتلال أغلقت المعابر منذ الأيام الأولى للحرب قبل أن تعيد فتحها تدريجيًا، كما بدأت مؤخرًا بالسماح بإدخال غاز الطهي بكميات محدودة، لكنه يستدرك: "المشكلة الأساسية تكمن في أن قطاع غزة يمثل حالة اقتصادية استثنائية. فالقطاع يعيش ما يشبه "اقتصاد الطوارئ"، حيث لا يدخل سوى جزء ضئيل من الاحتياجات الأساسية للسكان، في وقت فقد فيه معظم السكان مصادر دخلهم".
"نحو 95% من سكان القطاع يعتمدون اليوم على المساعدات الإنسانية، في ظل غياب شبه كامل لفرص العمل وانهيار البنية الاقتصادية".
ويضيف: "نحو 95% من سكان القطاع يعتمدون اليوم على المساعدات الإنسانية، في ظل غياب شبه كامل لفرص العمل وانهيار البنية الاقتصادية. لذلك فإن أي تطور سياسي أو اقتصادي في المنطقة -حتى لو كان بعيدًا- ينعكس سريعًا على الأسواق المحلية".
ويشرح أن التأثير التدريجي للحرب قد يظهر بشكل أوضح من خلال ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، "ففي غزة، يباع السولار بأسعار تفوق السعر الطبيعي بأكثر من خمسة أضعاف، نتيجة القيود الإسرائيلية ورسوم التنسيقات، وبالتالي فإن أي ارتفاع عالمي في أسعار النفط سينعكس مضاعفًا على السوق المحلية في القطاع".
ويتابع: "ارتفاع الأسعار الذي شهدته الأسواق في الأيام الأولى للحرب لا يرتبط فقط بالعوامل الاقتصادية المباشرة، بل أيضًا بطبيعة السوق الغزية التي تعاني من تشوهات عميقة، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي خبر أو إشاعة. ففي اقتصاد هش ومغلق، قد تكون الشائعة أحيانًا كافية لإشعال موجة ارتفاعات مفاجئة في الأسعار".
"السولار الذي يرتفع سعره عالميًا سيصبح أكثر تكلفة في القطاع، وهو ما يضاعف الضغوط على سكان يعانون أصلًا من فقر غير مسبوق".
أما على المستوى العالمي، فيشير أبو قمر إلى أن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم. فالمضيق يمر عبره نحو 11% من تجارة العالم، و25% من النفط، إضافة إلى قرابة 20% من الغاز الطبيعي. ولذلك فإن أي تهديد لإغلاقه قد يسبب هزة اقتصادية عالمية كبيرة.
وبما أن غزة -رغم عزلتها- تبقى جزءًا من الاقتصاد الإقليمي، فإن هذه الاضطرابات لا بد أن تنعكس عليها بشكل أو بآخر. فالسولار الذي يرتفع سعره عالميًا سيصبح أكثر تكلفة في القطاع، وهو ما يضاعف الضغوط على سكان يعانون أصلًا من فقر غير مسبوق.
ولا يقتصر الأمر على الطاقة فقط، إذ يشير أبو قمر إلى أن التوترات الإقليمية تؤثر أيضًا في أسواق المال العالمية، بما في ذلك أسعار الذهب والعملات الرقمية. فقد ارتفع سعر البيتكوين إلى أكثر من 70 ألف دولار، وهو ما يعكس حالة القلق العالمي والبحث عن ملاذات مالية بديلة.
ويضيف: "هذه التحولات المالية قد لا تبدو مرتبطة مباشرة بقطاع غزة، لكنها تعكس في النهاية حالة اضطراب اقتصادي إقليمي واسع، وهو ما ينعكس على الأسواق في كل المناطق المتأثرة بالحرب".
"الأسواق المالية تتفاعل مع التصريحات السياسية بسرعة، لكنها تعود لاحقًا للاعتماد على المعطيات الفعلية على الأرض. ولذلك فإن انخفاض الأسعار قد يكون مؤقتًا".
وحول التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن قرب انتهاء الحرب، وما تبعها من انخفاض مؤقت في أسعار النفط، يرى أبو قمر أن مثل هذه التصريحات غالبًا ما تهدف إلى تهدئة الأسواق أكثر من كونها تعكس واقعًا ثابتًا.
ويقول: "الأسواق المالية تتفاعل مع التصريحات السياسية بسرعة، لكنها تعود لاحقًا للاعتماد على المعطيات الفعلية على الأرض. ولذلك فإن انخفاض الأسعار قد يكون مؤقتًا، قبل أن تعود إلى الارتفاع إذا استمرت الحرب أو اتسع نطاقها".
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يؤكد أبو قمر أن خيارات قطاع غزة للتعامل مع هذه التطورات تكاد تكون محدودة للغاية. "فالقطاع يعيش منذ ما يقارب نصف عام تحت وطأة إغلاق شبه كامل للمعابر، بعد أن كان قبل الحرب يحقق نحو 120% من الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات الزراعية مثل الخضار والفواكه".
خيارات قطاع غزة محدودة للغاية. "فالقطاع يعيش منذ ما يقارب نصف عام تحت وطأة إغلاق شبه كامل للمعابر، بعد أن كان قبل الحرب يحقق نحو 120% من الاكتفاء الذاتي".
اليوم، لم تعد تلك القدرة الزراعية موجودة، بعدما دمرت الحرب مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتوقفت سلاسل الإنتاج والتوزيع.
ومع استمرار القيود على إدخال السلع، تزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب على إيران إلى إغلاق متكرر للمعابر، وهو ما قد يفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع.
ولهذا يدعو أبو قمر المؤسسات الدولية إلى تكثيف الضغوط لضمان زيادة إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، ليس فقط من حيث الكمية، بل أيضًا من حيث التنوع، بحيث لا تقتصر على الدقيق والمعلبات والبقوليات، بل تشمل احتياجات غذائية وصحية أوسع.
في النهاية، تبدو غزة مرة أخرى في قلب معادلة إقليمية لا تملك التحكم فيها: حربٌ تندلع بعيدًا عن حدودها، لكنها سرعان ما تجد طريقها إلى أسواقها ومعابرها وأطباق سكانها.
وبين السياسة والاقتصاد، يبقى السؤال الذي يلاحق الغزيين كلما اشتعلت حرب جديدة في المنطقة: كم مرة سيدفعون ثمن معارك لم يختاروها؟
