كارثةٌ صحيّةٌ تضربُ غزّة.. المدينة تختنق بنفاياتها!
تاريخ النشر : 2026-03-05 09:34

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في زقاقٍ ضيّقٍ غربي مدينة غزة، تجلس محاسن عطية أمام باب منزلها المتصدّع. تضع كمامة قماشية على وجهها، وتراقب أبناءها وهم يحاولون القفز فوق كومة نفايات ارتفعت حتى فاقت أطوالهم الصغيرة.

لم يعد المشهد استثنائيًا في الحي؛ أكياس سوداء تتكدّس منذ أيام، وروائح تختلط برطوبة الشتاء، وذباب يحوم في دوائر ثقيلة، وقوارض تبحث عن مأوى بين البيوت.

تروي محاسن أنها لم تعد تعرف إن كان الخطر في السماء أم تحت الأقدام، "فمنذ أيام لم تمرّ شاحنة البلدية، وتحوّل الانتظار إلى عبء يومي" تقول.

وتشير إلى حفرة امتلأت بمياه آسنة قرب المنزل، "والخوف الأكبر أن يمرض الأطفال، لكن لا مكان آخر نذهب إليه" تردف، مناشدةً بلدية غزة بإيجاد أي حل ناجع، رغم إدراكها أن إمكاناتها تتآكل مع اشتداد الحصار واستمرار الحرب، وكأن المدينة تُدفع دفعًا نحو العجز الكامل.

ليست عائلة محاسن سوى واحدة من آلاف العائلات التي وجدت نفسها أمام عبء جديد يضاف إلى يوميات مثقلة أصلًا، فمع استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال الوقود، تقلّصت قدرة البلديات على تشغيل آلياتها ومعداتها، وانعكس ذلك مباشرة على الشوارع والأحياء ومخيمات النزوح.

"الشارع لم يُفتح منذ أشهر، ومع توقّف الآليات الثقيلة بسبب نقص الوقود، بات المرور مغامرة يومية".

ما تحسّن قليلًا في الأسابيع الماضية عاد ليتراجع، لتبقى الخدمات الأساسية رهينة شاحنات لا تصل ووقود لا يُسمح بدخوله.

قرب ملعب اليرموك وسط المدينة، يحاول حسن حجازي، وهو شاب في العشرينيات، فتح ممرّ ضيق بيديه بعدما تراكم الركام على جانبي الطريق.

يقول: "الشارع لم يُفتح منذ أشهر، ومع توقّف الآليات الثقيلة بسبب نقص الوقود، بات المرور مغامرة يومية".

يذكر أن سيارة إسعاف علقت في نفس المكان قبل أيام، في مشهد يلخّص واقع مدينة تعيش بين الركام، ونفايات تتكدس، ومياه صرف تتسرّب إلى البيوت.

بجوار خيمته، تضع زوجته أوعية بلاستيكية تحت صنبور، وتحاول ادخار ما يتبقّى من ضخٍ متقطّع، بعد تقليص ساعات تشغيل المولدات الخاصة بآبار المياه.

يتكرّر المشهد في مناطق واسعة من القطاع، حيث تطول الطوابير كلما ضاقت ساعات الضخ، وتتحوّل المياه إلى سباق يومي مع الانقطاع.

في هذا السياق، حذّر اتحاد بلديات قطاع غزة من توقف كامل للخدمات نتيجة أزمة الوقود الخانقة. وكان المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، أوضح في تصريحات صحفية أن الأزمة لم تعد ضغطًا إداريًا يمكن احتواؤه، بل شللًا فعليًا يطال قطاعات حيوية.

وقال: "توقفت عمليات فتح الشوارع وإزالة الركام، وتقلّصت أعمال جمع النفايات وترحيلها، ما أدى إلى انتشار مكبّات عشوائية داخل الأحياء السكنية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر صحية جسيمة".

ولا تقف التداعيات عند هذا الحد؛ إذ اضطرت البلدية إلى تقليص تشغيل المولدات الاحتياطية لآبار المياه ومحطات ضخّ الصرف الصحي، في وقت تعاني فيه البنية التحتية أصلًا من دمار واسع، والنتيجة طفح متكرر لمياه الصرف وتسربها في مناطق عدة، ما ينذر بكارثة بيئية وصحية تتسع رقعتها يومًا بعد يوم.

تؤكد بلديات قطاع غزة بشكلٍ يومي حاجتها الماسّة إلى كميات كافية ومنتظمة من الوقود لضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمات، في ظل واقع يتحكّم فيه الاحتلال بعدد الشاحنات المسموح لها بالدخول.

وتؤكد بلديات قطاع غزة بشكلٍ يومي حاجتها الماسّة إلى كميات كافية ومنتظمة من الوقود لضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمات، في ظل واقع يتحكّم فيه الاحتلال بعدد الشاحنات المسموح لها بالدخول، ومع فتح جزئي ومقيّد لمعبر معبر كرم أبو سالم أمام بعض المساعدات.

في غزة، لا يقتصر الحصار على إغلاق الحدود، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية: شارع لا يُفتح، نفايات لا تُرفع، ماء لا يصل، وصرف صحي يفيض في الأزقة.

ومع كل يوم يتأخر فيه إدخال الوقود، تقترب المدينة خطوة أخرى من حافة كارثة جديدة.. إنها ليست أزمة خدمات فحسب، بل اختبار قاسٍ لقدرة مدينة كاملة على البقاء، فيما يدقّ الخطر بابه من كل اتجاه.