الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كما كل رمضان، يعقد ناصيف محمد (55 عامًا)، من مدينة رام الله، العزم على زيارة المسجد الأقصى. يشدُّ رحاله، ويحمل معه كل ما يلزم ليومٍ طويل: ماء، ومصحف، والكثير من الصبر.
يعرف ناصيف أن الوصول إلى هناك في الشهر الفضيل ليس أمرًا مضمونًا، وأن الطريق إليه محفوفة بالحواجز والتعنّت والتدقيق، لكنه يرى في المحاولة ذاتها "عبادةً" لا تقل أجرًا عن الصلاة فيه.
يقول لـ"نوى": "الصلاة في الأقصى رباط، ولتحمّل تعقيدات الوصول إليه في شهر رمضان أجرٌ أيضًا، هو فعلُ تحدٍ قبل أن يكون شعيرةً دينية".

وتتحوّل زيارات أهالي الضفة الغربية إلى المسجد الأقصى في شهر رمضان من فعلٍ تعبّدي فردي إلى مشهدٍ جماعي يحمل أبعادًا دينية ووطنية في آنٍ واحد. شدّ الرحال إلى هناك، في ظل القيود والحواجز، لا يُفهم باعتباره سفرًا إلى مكانٍ مقدس فقط، بل حضورًا واعيًا في مساحة تتعرض لاستهدافٍ متكرر في الزمان والمكان والهوية.
من مدينة طولكرم، شمالي الضفة الغربية، تؤكد الحاجة أم أحمد هادي أن زيارة الأقصى في رمضان "واجبٌ مقدس"، وأجرٌ لا يُقاس فقط بالوصول، بل بالنية والخطوات المبذولة في الطريق.
"نحاول إيصال رسالةٍ مفادها: نحن هنا ومستعدون لتحمل الكثير كي نصل مهما كانت الطريق طويلة وشاقة (..) علينا فقط أن نعقد النية".
تخبرنا: "نحاول إيصال رسالةٍ مفادها: نحن هنا ومستعدون لتحمل الكثير كي نصل مهما كانت الطريق طويلة وشاقة (..) علينا فقط أن نعقد النية".
أما يوسف أبو الحلاوة، من مدينة نابلس، فيرى أن الوجود المكثف لفلسطينيي الضفة في الأقصى خلال شهر رمضان المبارك، يحمل معنى يتجاوز الفردية.
يقول: "حين يمتلئ الأقصى بالمصلين، يشعر كل شخص أنه يسهم بحمايته بجسده، وليس فقط بدعائه".
"أنتظر قدوم شهر رمضان لعلي أتمكن من الصلاة في المسجد الأقصى. التشديدات كبيرة، وقد بات الحصول على سجدة هناك حلمًا عزيزًا ننتظره بشوق".
ويضيف بنبرة تأثر: "منذ العام الماضي وأنا أنتظر قدوم شهر رمضان، لعلي أتمكن من دخول القدس والصلاة في المسجد الأقصى. التشديدات كبيرة، وقد بات الحصول على سجدة هناك حلمًا عزيزًا ننتظره بشوق".
ويؤكد ناشط مقدسي يعمل على استقبال المصلين وتقديم الخدمات لهم –فضل عدم ذكر اسمه خشية منعه من العمل وإبعاده عن المسجد– أن هذه الزيارات، وإن انطلقت من دافعٍ ديني، تشكّل فعل رباطٍ شعبي يحدّ من محاولات تفريغ الأقصى من رواده الفلسطينيين، لا سيما في رمضان، حيث تتزايد الاستهدافات والإبعادات بحق من يقصدونه للصلاة.
ويشير إلى أن كثافة الحضور في هذا الشهر تمثل رسالة واضحة بأن "المكان لا يزال عامرًا بأهله رغم القيود".
من جانبه، يصف الدكتور عبد اللطيف أبو سفاقة، مسيّر الرحلات إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، الأقصى بأنه "قضية وطن وهوية ومكانٌ مقدسٌ للعبادة"، مؤكدًا أن الوصول إليه يستحق ما يُبذل في سبيله من جهدٍ وعناء.
ويوضح أن رحلاتهم كانت، على مدار أكثر من اثني عشر عامًا وقبل اندلاع حرب الإبادة بغزة، تنطلق يوميًا من محافظة قلقيلية، وتزداد كثافتها في رمضان، حيث تسير الحافلات محمّلة بالمصلين منذ ساعات الصباح الباكر وحتى ما بعد صلاة التراويح، فيما كانت ليلة السابع والعشرين تشهد استمرار الرحلات إلى ما بعد صلاة الفجر داخل المسجد.
غير أن هذا المشهد تبدّل كليًا بعد السابع من أكتوبر؛ إذ مُنع القائمون على هذه الرحلات من دخول القدس، وسُحبت تصاريحهم بالكامل.
في رمضان الحالي، يُسمح لكبار السن فقط، "ممن لا يحملون سجلًا أمنيًا"، بالحصول على تصريح واحد لا يتجاوز يوم جمعة، يتيح لصاحبه عبور حاجز قلنديا لأداء صلاتي الظهر والعصر وحسب.
وفي رمضان الحالي، بات يُسمح لكبار السن فقط، ممن لا يحملون سجلًا أمنيًا، بالحصول على تصريح واحد لا يتجاوز يوم جمعة، يتيح لصاحبه عبور حاجز قلنديا لأداء صلاتي الظهر والعصر وحسب، مع إلزامه بتثبيت الخروج عبر البصمة الإلكترونية.
ويشير أبو سفاقة إلى أن الحصول على التصريح لا يعني بالضرورة السماح بالدخول، فقد يُمنع المصلّي من اجتياز حاجز قلنديا دون إبداء أسباب، ما يحرمه من فرصة الصلاة في الأقصى طوال الشهر. ونتيجة لذلك، يضطر كثير من المصلين القادمين من محافظات الضفة الغربية إلى أداء الصلاة في مساجد قلنديا ورام الله بعد فشلهم في اجتياز الحاجز.

ويختم أبو سفاقة بالتأكيد على أن زيارة الأقصى في هذه المرحلة ترافقها إجراءات مشددة، أبرزها الانتشار المكثف لجيش الاحتلال في القدس، وعمليات التفتيش المتواصلة للمصلين، في مشهد يعكس حجم القيود المفروضة على حرية الوصول إلى المسجد خلال الشهر الفضيل.
وبحسب ما أوردته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية قبيل بدء شهر رمضان بأيام، فإن جيش الاحتلال سيعتمد بطاقة ممغنطة خاصة يتعين على كل من يمر من الضفة الغربية إلى المسجد الأقصى تمريرها عند نقاط التفتيش، مع إبلاغ شرطة الاحتلال ببيانات أي شخص لا يعود، وفرض عقوبات فورية عليه.
منذ الثامن والعشرين من شباط/ فبراير الماضي، ومع بدء العدوان الأمريكي "الإسرائيلي" على إيران، مُنعت إقامة صلاة التراويح في المسجد الأقصى بالكامل.
كما أشارت القناة (12) العبرية إلى انتشار أكثر من ثلاثة آلاف شرطي "إسرائيلي" في القدس خلال أيام الجمعة من شهر رمضان، مع توقع إغلاق الطرق المحيطة بالبلدة القديمة أمام حركة المركبات الخاصة.
ووفقًا لما بثّته إذاعة جيش الاحتلال، سيقتصر دخول الرجال على من يبلغون (55 عامًا) فما فوق، والنساء من سن (50 عامًا) فما فوق، فيما يُسمح للأطفال حتى سن 12 عامًا بالدخول فقط برفقة قريب بالغ من الدرجة الأولى.
ولا بد من الإشارة إلى أنه منذ الثامن والعشرين من شباط/ فبراير الماضي، ومع بدء العدوان الأمريكي "الإسرائيلي" على إيران، مُنعت إقامة صلاة التراويح في المسجد الأقصى بالكامل، حتى من قِبل حملة هوية القدس أو فلسطينيي الداخل المحتل، وأُلغيت كافة تصاريح الصلاة.
وبين الصلاة والرباط، تَختصر زيارات أهالي الضفة الغربية للأقصى في رمضان معادلة واضحة "الروح تدفع الخطى، والوعي يحرس المكان.. ليست كل رحلة تُقاس بالمسافة التي تُقطع، بل بما تحمله من معنى".
