دِلاءٌ مثقلةٌ بالقهر ..في غزّة العَطشى!
تاريخ النشر : 2026-03-04 09:30

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بعد شهرين كاملين من انقطاع المياه عن منزلها شبه المدمر بحي النصر غربي مدينة غزة، أدارت الثلاثينية خديجة نبهان صنبور المطبخ على أمل أن تسمع صوتًا يروي ظمأ الترقب الطويل. انتظرت صوت الجريان، لكن الصمت كان أبلغ، وبقي البيت المتصدع أسير عطشٍ ثقيل، يُرهق كل تفاصيل الحياة.

في منزلها تتراكم الأواني وجبال الملابس المتسخة في انتظار ماءٍ لم يزر البيت منذ أسابيع. تقول لـ"نوى": "أزمة المياه صعبة جدًا. قبل أيام سمعتُ أن خيطًا رفيعًا من المياه وصل إلى خط قريب من مسكني، فهرولت نحو المكان، وهناك عشت تجربةً صعبةً وثقيلة".

تظل مياه الشرب بالنسبة لنبهان عبئًا آخر؛ تشتريها حين يتوفر معها ثمنها، أو تنتظر شاحنةً توزعها بالمجان، يتزاحم حولها الصغار والكبار.

ساعتان من الانتظار لم تمنحاها سوى دلوين من الماء بالكاد يكفيان لأهم الاحتياجات. السيدة التي استشهد زوجها خلال الإبادة، لا تملك من يعينها في مشقة ملاحقة خيط النجاة ذاك وهمّ النقل، فأولادها أطفال، "ظهري يكاد يصرخ من الوجع.. أجزم أنني أصبت بديسك من حمل الماء والحطب خلال العامين الماضيين" تعقب بحرقة.

وتظل مياه الشرب بالنسبة لنبهان عبئًا آخر؛ تشتريها حين يتوفر معها ثمنها، أو تنتظر شاحنةً توزعها بالمجان، يتزاحم حولها الصغار والكبار، وبالكاد تتحصل منها على جالون أو اثنين.

على بُعد مئات الأمتار جنوبي المدينة، يقطع محمد عبيد مسافة نحو كيلو متر ذهابًا وإيابًا من خيمة نزوحه القسري، تحت شمس الظهيرة، ليظفر ببعض المياه التي تكاد ملوحتها تُشبه درجة ملوحة البحر.

يخبرنا: "انتظرتُ أسبوعين قبل أن أعلم بوصول كميات شحيحة عبر خطٍ قريب. ما حصلتُ عليه بعد انتظار طويل لا يصلح للطعام ولا للغسل، لكن وجوده أفضل من عدمه".

"تخيّل معي ما يعنيه انقطاع المياه"، يضيف، متابعًا بقهر: "لن تستطيع غسل ملابسك أو حتى أن تتوضأ".

ينحدر محمد من مدينة بيت حانون شمالي قطاع غزة، ويعيش اليوم واقعًا يفتقر لأبسط مقومات الحياة، حتى دورة المياه. يقول: "أضطر أحيانًا لقطع مسافات طويلة جدًا لشراء مياه مُحلّاة للشرب أو للنظافة، وهذا يكلفني جهدًا لا يضاهى، ومالًا ليس بالإمكان توفيره على الدوام".

"تخيّل معي ما يعنيه انقطاع المياه"، يضيف، متابعًا بقهر: "لن تستطيع غسل ملابسك أو حتى أن تتوضأ".

يدرك محمد أن الأزمة وسيلة ضغط، لكنه يحسم موقفه: "لن نستجيب للضغوط. هذه معاناة عاشها أجدادنا وآباؤنا بسبب الاحتلال، هذا صراعٌ لن ينتهي إلا بزوال السبب".

بلدية غزة بدورها تؤكد أن الأزمة تتفاقم، لا سيما مع انقطاع خط مياه "ميكروت"، وتوضح أن نسبة العجز بلغت 90% من إجمالي الاحتياج اليومي مقارنة بما قبل الحرب.

ويقول م. طارق شهاب، المسؤول في دائرة المياه بالبلدية، في تصريحات صحفية: "البلدية تحاول سد العجز عبر تشغيل الآبار الخاصة وزيادة ساعات تشغيل الآبار المتبقية لتوفير الحد الأدنى لبعض المناطق"، مطالبًا بالسماح لطواقم البلدية بالوصول إلى المناطق الشرقية لفحص خط "ميكروت" وصيانته، وإدخال احتياجات البلدية الطارئة، بما يشمل الإسمنت والمواسير ومواد الصيانة والآليات وقطع الغيار والمضخات.

تواجه مدينة غزة واحدة من أخطر أزماتها الإنسانية، بعد انقطاع إمدادات المياه عن أكثر من 85% من مساحتها منذ نحو شهرين، عقب قطع الاحتلال الإسرائيلي خط المياه الرئيس "ميكروت".

وتواجه مدينة غزة واحدة من أخطر أزماتها الإنسانية، بعد انقطاع إمدادات المياه عن أكثر من 85% من مساحتها منذ نحو شهرين، عقب قطع الاحتلال الإسرائيلي خط المياه الرئيس "ميكروت"، ما ينذر بتداعيات صحية وبيئية كارثية في ظل الاكتظاظ السكاني والانهيار شبه الكامل للبنية التحتية.

في غزة، بات فتح صنبور المياه امتحانًا يوميًا يتعثر بين الرجاء والخيبة. وبين جرادل تُملأ بشقّ الأنفس وأخرى تبقى فارغة، يمضي الناس في يومهم بحثًا عن حقٍ بسيط اسمه الماء.. حقٌ يبدو بديهيًا في العالم، واستثنائيًا هنا.