"كان ياما كان".. روح رمضان أُزهقت في كورنيش غزة
تاريخ النشر : 2026-03-04 09:00
إفطار على كورنيش غزة في أحد أيام رمضان قبل الإبادة

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"مع هدير الموج واقتراب شمس ساعة الغروب، كانت طاولة الإفطار تتزيّن بأشهى الأطباق من المقلوبة والمسخن والسمبوسك، إلى المحاشي وورق العنب، مرورًا بالبيتزا وأطباق الشوربة والسلطات، كلها مُطعّمةٌ بضحكاتنا وأصواتنا والجَمعة المبهجة على "كورنيش البحر".. مشهدٌ صار من الماضي، تسترجعه أم كرم فرج في حديثها عن آخر رمضان جمعَها بعائلتها، قبل أن تُشن حرب الإبادة الإسرائيلية.

 تتنهد الأم الثلاثينية وتحكي لـ"شبكة نوى" ما يجول في خاطرها: "في الرمضانات التي سبقت الحرب، وبالتحديد يوم الجمعة كونه العطلة الرسمية للجميع، كنا نُجري محادثةً جماعية عبر جروب "وتساب" نحن الإخوة والأخوات والأخوال والخالات، ونتفق على الاجتماع قبل أذان المغرب بساعة، ثم ننطلق إلى "الكورنيش"، لتناول الإفطار معاً، بعد أن نوزع الأدوار بيننا".

 تكابر الدمعة كي لا تنزل من عين أم كرم، فرمضان هذا العام حزين جداً، كما تقول، موضحةً: "العائلة مشتّتة بين الشمال والجنوب، والفقد والإصابة والخسارة أصابت كل بيتٍ من الأخوال والخالات، أما "الكورنيش" مكاننا الأجمل صار ممتلئاً عن آخره بخيام النازحين، بينما زاده الدمار بؤساً وتعاسة".

تعود الابتسامة لوجه السيدة، ما أن ترسم مشهداً تصف فيه أجواء اللمّة في "كورنيش البحر": "كل عائلةٍ كانت تُحضّر طعام الإفطار وفقاً لذوقها. نجلب الشراشف والطاولات والكراسي، وأحيانًا نستأجر غرفاً في النادي البحري، ونوزع الأطباق على "السفرة العامرة"، ومن ثم نُصلّي التراويح في جماعة ونستمتع بطعم القطايف والكنافة، وبعدها نصطحب الأطفال و"نتمشى" معهم على "الكورنيش"، وما أحلى مرحهم عندما تعلو بهم الأراجيح المنتشرة على الشاطئ".

"القعدة فيه بترد الروح"

يُعدّ كورنيش غزة الممتد على ساحل البحر الأبيض المتوسط من أبرز معالم المدينة المحاصرة التي تتيح للمواطنين التنفس بعيداً عن الضغوط، إلا أنه في شهر رمضان المبارك يصبح مُفعماً بالحياة أكثر، بممارسة الطقوس الاجتماعية والأنشطة الترفيهية والرياضية.

 "يبعد شاطئ البحر عن بيتنا عشر دقائقٍ فقط. كنت يوميًا أقطع مسافةً تزيد على خمسة كيلومترات ذهاباً وإياباً (..) كان الكورنيش لنا المهرب الوحيد الذي يفصلنا عن زحمة الدنيا وإيقاع الحياة السريع".

يتحسّر الشاب جمال أبو حسان على أيامٍ فضيلة يحنّ لطقوسها في الكورنيش، لا سيّما حين كان يمشي على امتداده ساعةً بصحبة أصدقائه قبل موعد الإفطار.

 "يبعد شاطئ البحر عن بيتنا عشر دقائقٍ فقط. كنت يوميًا أقطع مسافةً تزيد على خمسة كيلومترات ذهاباً وإياباً على الكورنيش"، يقول جمال بحزنٍ لاح في نبرته، ثم يُتمّم عبارته: "كان الكورنيش لنا المهرب الوحيد الذي يفصلنا عن زحمة الدنيا وإيقاع الحياة السريع".

وعلى مدار الأعوام التي سبقت حرب الإبادة، كان كورنيش بحر غزة مقصد الرياضيين، وكذلك مواطنين يحبون المشي في جماعات، إضافة إلى الركض وركوب الدراجات الهوائية".

  ويَرثي أبو حسان أجواء الكورنيش في رمضان "كان يا مكان"، فما بين ممارسة الرياضة ولمة الأصحاب وطلب المشروبات وتناول أطايب الطعام، ومن ثم إشعال النار للحصول على "كوب شاي لا يتكرر"، يؤكد: "القعدة هاي كانت بترد الروح"، إنه أبلغ تعبير يمكن أن يُقال هنا.

"كل أصحابي تشتّتوا. اختفت اللمة والضحك والراحة والهدوء، أتمنى لو نسترجع دفء المشاعر التي منحها الكورنيش لقلوبنا، من بعده لم يعد لنا مكانٌ نلجأ إليه".

 سألناه عن واقع الكورنيش في رمضان الحالي، فأجاب منفعلاً: "كل أصحابي تشتّتوا. اختفت اللمة والضحك والراحة والهدوء، أتمنى لو نسترجع دفء المشاعر التي منحها الكورنيش لقلوبنا، من بعده لم يعد لنا مكانٌ نلجأ إليه. لقد صار البحر كئيباً ولا يتسع لموطئ قدمٍ بعد أن غزته خيام النازحين".

 يمسح عدسات نظارته لكنه لا يستطيع مسح العبوس من ملامحه، مردفاً حديثه: "رمضاننا وقت الحرب قضيناه في الخوف والجوع، حتى أنني لا أحب أن أتذكر تلك الأيام، تخيلي أنني لم أقرب البحر ولا مرَّة في تلك الفترة".

كان مساحة أمان

ذات يوم، كان كورنيش البحر يعجّ بـ "الكافتيريات" والاستراحات، وباعةٍ يتجولون بحثاً عن أرزاقهم. بين كوب شاي، وكوز ذرة، وحفنة من الفستق، والبطاطا الحلوة المشوية، والبالونات الملونة، وغزل البنات، لكن كل هذه المظاهر المنعشة أبادتها حرب الإبادة.

تقول د. ختام أبو عودة المختصة بالدعم النفسي والاجتماعي إن "كورنيش غزة" كان يُعد أحد أبرز معالم الخدمة المجتمعية، وفي نظر الغزيين مساحة أمانٍ لأسرهم استطاعوا فيها توطيد علاقاتهم ونسيجهم الاجتماعي، على مستوى الشباب والأطفال والنساء والرجال خصوصًا في شهر رمضان، مستدركةً حديثها لـ"شبكة نوى": "لكن الحرب غيرت معالم الكورنيش بتدميره، وأصبح من يراه يتحسر على المكان والذكريات التي لا تبرحه".

 وعن تأثير "تدمير الكورنيش" على الحالة النفسية لمن اعتادوا في السابق ارتياده، تحكي لنا بلسانهم: "ليس غريباً أن الشباب يفتقدونه، ومن بعده شعروا بشيء من العزلة والاغتراب وربما الاكتئاب. كما أن الأطفال فقدوا بيئةً آمنة مفتوحة لممارسة اللعب الذي يتيح لهم النمو الاجتماعي والنفسي، فظهرت لديهم مشاعر الخوف والقلق والتوتر، وتراجعت مهاراتهم في التواصل التفاعلي".

وتشير إلى أن اختفاء مظاهر البهجة في رمضان التي امتازت بنكهة ساحرة في "الكورنيش"، سلب كثيراً من العائلات الشعور بالأمان والألفة والترابط، خاصةً في الشهر الفضيل.

وتعرب أبو عودة عن أملها في إعادة تأهيل الشاطئ، لخلق مساحاتٍ واسعة أكثر أمناً وسلاماً تسمح بممارسة الأنشطة العائلية والشبابية، ليتحقق فيها البُعد النفسي والاجتماعي، لعله يشرق الأمل من جديد، ونستعيد جزءاً من حياتنا التي نستحقها، آمنةً مطمئنة مستقرة، للأطفال والشباب والمجتمع بأسره".