غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في مطبخٍ شبه معتم داخل منزلٍ دمّره القصف جزئيًا في غزة، تسند نوال الشوّا هاتفها المحمول إلى حافة نافذةٍ بلا زجاج، وتخفض صوت نشرة الأخبار حتى لا تلتقط آذان أطفالها نبرة المذيع المتوترة.
بيدٍ تعجن ما تبقّى من دقيق، وبالأخرى تمرّر إصبعها على الشاشة كل بضع دقائق، كأنها تُجري حسابًا خفيًا بين الوقت والاحتمال.
الدقائق الخمس بعد أي خبر تصعيد هي الأهم. خلالها تفكر في أسئلةٍ صغيرة تشبه حياتها: "هل أملأ مزيدًا من الغالونات بالماء؟ هل أشتري خبزًا إضافيًا؟ هل أؤجل استخدام الغاز اليوم؟".
وحين يَرِدُ ذكرُ تصعيدٍ جديد في المنطقة، أو تحذيرٍ من اتساع المواجهة بين إيران و"إسرائيل"، تتوقف لحظة، ترفع رأسها، ثم تعود إلى العجين مسرعةً، كأنها تُسابق خبرًا قد يسبقها إلى باب بيتها.
هي لا تتابع السياسة بدافع الفضول، بل بدافع التدبير. تقول وهي تمسح يديها بطرف مريولها القديم: "الدقائق الخمس الأولى بعد أي خبر تصعيد هي الأهم".
في تلك الدقائق، لا تفكر في خرائط ولا في بيانات عسكرية، بل في أسئلةٍ صغيرة تشبه حياتها: "هل أملأ مزيدًا من الغالونات بالماء؟ هل أشتري خبزًا إضافيًا؟ هل أؤجل استخدام الغاز اليوم؟". بالنسبة لها، الخبر ليس تحليلًا سياسيًا، بل قائمة قرارات عاجلة.

في الليالي التي يكثر فيها الحديث عن ردودٍ متبادلة أو تهديدات جديدة من الولايات المتحدة، تنام بثيابها، وتطلب من أطفالها ألا يبتعدوا بأحذيتهم عن متناول اليد.
تضيف بهدوءٍ تعلّمته من التجربة: "تعلمت أن أسبق الخوف بخطوة"، وهكذا تحوّلت نشرات الأخبار في بيتها، إلى جدول طوارئ منزلي، تُدار فيه الحياة على إيقاع الاحتمال.
حين تسمع عبارة "توتر إقليمي"، تنظر إلى كيس الطحين الموضوع في زاوية قريبة، وتغرق في حسابات صامتة. "إذا ساء الوضع، لن نستطيع الخروج للبحث عن شيء".
في مدرسةٍ تحوّلت إلى مركز إيواء، تجلس سمية كحيل قرب نافذةٍ غُطّيت ببطانية. لا مطبخ لديها، ولا خزانة تُخفي فيها مؤونة، لكنها تملك مذياعًا صغيرًا يعمل بالبطاريات.
حين تسمع عبارة "توتر إقليمي"، تنظر إلى كيس الطحين الموضوع في زاوية قريبة، وتغرق في حسابات صامتة. تقول بنبرةٍ تجمع بين السخرية والمرارة: "إذا ساء الوضع، لن نستطيع الخروج للبحث عن شيء".
تضحك ضحكةً باهتة، وتضيف: "صرنا نفهم في الجغرافيا أكثر مما أردنا. نعرف أين تقع طهران، ونعرف ماذا يعني أن يُذكر اسمها في الأخبار".
تعرف سمية أن الخوف ينتشر أسرع من النار، وأن كلمة "حرب واسعة" قد تهدم ما تبقى من طمأنينة. تجمع أبناءها حولها بحجة ترتيب الأغطية، وتطمئن أن وجوههم جميعًا في مرمى نظرها.
لم تعد الأسماء بعيدة، ولا المدن مجرد نقاط على الخريطة؛ صارت إشاراتٍ لاحتمالٍ يقترب.. تخاف سمية القصف، لكنها تخاف الشائعة أكثر، وتراقب هواتف أبنائها المراهقين، ثم تحذف المقاطع التي تبثّ الذعر، وتطلب منهم ألّا ينشروا خبرًا قبل التحقق منه. تتابع ساخرة: "أبنائي صاروا مشروع محللين سياسيين".
تعرف أن الخوف ينتشر أسرع من النار، وأن كلمة "حرب واسعة" قد تهدم ما تبقى من طمأنينة قبل أن يهدمه صاروخ. كلما ترددت تلك العبارة، تجمع أبناءها حولها بحجة ترتيب الأغطية، لتطمئن أن وجوههم جميعًا في مرمى نظرها.

في مركز الإيواء، حيث تتقاسم العائلات الجدران والقلق، تحاول سمية أن تُمسك بالخيط الرفيع بين الوعي والهلع، وأن تُعلّم أبناءها أن الخبر لا يجب أن يتحول إلى فوضى داخلية، وهكذا، تصبح الأم حارسة المعنى قبل أن تكون حارسة المكان.
وتعيش أسيل حسين (زوجة أسير) الأخبار بإيقاعٍ مختلف. بالنسبة لها، كل تصعيد قد يعني تعقيدًا جديدًا في ملف زوجها، وكل تهدئة قد تفتح نافذةً ضيقة للأمل.
تتابع نشرات الأخبار بإمعان، ثم تغلق الهاتف فجأة حين يطول الحديث عن "تعثر المفاوضات". تشير إلى صورته المثبتة على شاشة هاتفها وتقول: "أفكر، لو تطوّر الأمر، ورأيته يخرج بصفقة جديدة".
"إذا سمعت أن الأمور قد تتصاعد، أشتري أقل لأحتفظ بالقليل من المال للطوارئ (..) لا أعرف متى سنحتاج سيارة تنقل أحدنا، أو دواءً قد يكون باهض الثمن".
أطفالها يسألونها إن كانت الصفقة قريبة، فتجيبهم بعبارةٍ واحدة: "كل شيء بيد الله". لكنها في داخلها تعدّ الاحتمالات كما تعدّ الأمهات أرغفة الخبز، بحذرٍ شديد وقلبٍ يرتجف.
في بيتٍ مهدّمٍ جزئيًا تعيش مع ثلاثة أطفال؛ سقف غرفة النوم مثقوب، والريح تدخل بلا استئذان، الأخبار لديها لا تتحول إلى قلقٍ عاطفي فحسب، بل إلى حساباتٍ مالية دقيقة، تتقاطع فيها مأساة الاعتقال مع هشاشة الواقع.
تردف بقهر: "إذا سمعت أن الأمور قد تتصاعد، أشتري أقل لأحتفظ بالقليل من المال للطوارئ (..) لا أعرف متى سنحتاج سيارة تنقل أحدنا، أو دواءً قد يكون باهض الثمن".
تؤجل أسيل غسل الملابس إذا خافت من انقطاع المياه، وتطهو وجبات يمكن حفظها ليومين، وتقرّب فرش الأطفال من بعضها، كأن المسافة بين الأجساد يمكن أن تردّ خطرًا لا يُرى.
تؤجل غسل الملابس إذا خافت من انقطاع المياه، وتطهو وجبات يمكن حفظها ليومين، وتعيد ترتيب أماكن النوم. تقرّب فرش الأطفال من بعضها، كأن المسافة بين الأجساد يمكن أن تردّ خطرًا لا يُرى.
في الليل، حين يهدأ الضجيج قليلًا، تغلق أسيل هاتفها أخيرًا وتضعه تحت وسادتها، كأنها تضع العالم كله هناك، ثم تتمدد قرب أطفالها. هي لا تخبرهم أنها خائفة، ولا تقول إن قلبها يقفز مع كل إشعار.. تمد يدها فوق رؤوسهم، وتهمس لنفسها: "إن حدث شيء، سنكون جاهزين".
بتلك الهمسة، تختصر نساء غزة معركتهن اليومية: إدارة بيتٍ على حافة الاحتمال، وحراسة الطمأنينة بما تبقّى من يقين.
