بعد آخِر تهجير.. عائلة "رشايدة" مُتعَبةٌ حتى النخاع
تاريخ النشر : 2026-02-23 09:34

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

وسط صدمةٍ وذهول، وفي غضون أسبوعٍ واحد أُلقيت عائلة "رشايدة" بكل أفرادها وممتلكاتها وأغنامها إلى المجهول، بعد أن أجبرهم الاحتلال على إخلاء مساكنهم التي آوتهم لمدة ثلاثة عشر عاماً عند مدخل بلدة عرَّابة؛ جنوب مدينة جنين؛ شمال الضفة الغربية، في المنطقة المعروفة بـ "معسكر عرّابة".

سنواتٌ مضت، ضجّت فيها المنطقة بضحكات صغار العائلة وأحاديث كبارها. وفجأة، سكن الصمت المكان، يجاوره الترقب والحذر من لحظةٍ تعود فيها آليات الاحتلال وجنوده، فيُسكت أزيزُ رصاصهم صوتَ أصحاب الأرض وحقهم وكرامتهم.

وفي كل نهارٍ ومساء، تبتدع "إسرائيل" أساليبَ متنوعة لتنفيذ مخططاتها في الضفة الغربية، حتى بات سكانها، وتحديداً في التجمعات الرعوية والزراعية، يعيشون في دوامةٍ متواصلة من التهجير والملاحقة من قِبل جيش الاحتلال ومعسكراته تارةً، ومن مستوطنيه تارةً أخرى.

من جنوب الضفة إلى شمالها

في عام 2013 انتقل من الأغوار الشمالية ثلاثةٌ أشقاء من عائلة رشايدة التي تعتاش على رعاية الثروة الحيوانية، للسكن في أراضي معسكر عرَّابة. في مراعٍ خضراء خصبة، تتوسطها مبانٍ إسمنتية قديمة قُسّمت لغرفٍ عدة، كانت قد أقيمت إبّان الحكم الأردني ثم صارت لسنوات معسكراً للاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، وقد أخلاه الأخير تماماً مع أربع مستوطنات أخرى في شمال الضفة، بقرارٍ أحادي الجانب صدرَ عن حكومة شارون عام 2005.

مسلسل تنّقل هذه العائلات لم يكن وليد ذلك العام، فأصل هذه العائلة يعود ليطا، جنوب الخليل. وقد دفعتهم مضايقات الاحتلال وملاحقاته لهم ولرزقهم إلى الهجرة من يطّا نحو الجفتلك في الأغوار الشمالية، ومنها نحو عرّابة في شمال الضفة، وفقاً لحديث جمال رشايدة البالغ من العمر "56 عاماً" لـ "شبكة نوى".

ويخبرنا رشايدة قائلاً: "لسنوات خلت، ذقنا المُرّ من مضايقات الاحتلال واعتداءات المستوطنين. وفي بداية سكننا في معسكر عرابة كانوا يعتدون علينا كثيراً، ومن ثم استقرّت الأحوال بنا حتى عامنا هذا، وإذ بالاحتلال يقتحم مساكننا مطلع فبراير/ شباط الجاري على مدار أسبوع، وأبلغنا بنيته العودة للمعسكر، وأمرنا بمغادرته في موعدٍ محدد، وهددّنا بالاعتقال في حال عدم الانصياع، إضافة إلى إخلاء عددٍ من المنازل القريبة من الموقع أيضاً".

البدء من الصفر

أعوامٌ ممتدة من الكفاح، لم تتوانَ فيها سواعد أفراد عائلة جمال رشايدة وعائلات أشقائه البالغ عددهم 50 فرداً عن بناء منازلهم طوبةً طوبة، وكلها تدّمرت في لحظات، بعد قرار الاحتلال إقامة معسكر عرَّابة من جديد.

نزحت العائلة مجبرةً نحو منطقة أخرى قريبة من البلدة، وعيونهم ترقب التحركات الحثيثة للاحتلال والمستوطنين في المكان الذي أصبح قطعةً من أرواحهم، ولم يعد بإمكانهم الوصول إليه. في مشهد توزّعت فيه الآلام بين لوعةِ البعد عن موطن ارتبط به سكانه لسنوات، ورزقٍ مهددٍ جراء ابتعاد هذه العائلات عن منطقة وجدت فيها مراعٍ تناسب الأغنام للإقامة فيها، ومصير أسرهم التي تُعيد الكرّة في تشريدٍ يبدو أقسى هذه المرة.

ويشكو رشايدة همه، متسائلاً عن مصيرهم بقلق بالغ، مضيفاً: "انتقلنا نحو منطقة الحفير في عرَّابة، وهي غير مهيأة لرعاية الأغنام التي هي مصدر رزقنا، وأكبر خسائرنا في رحلة التهجير. لقد نفقَ لدينا عشرون رأس غنم منذ تهجيرنا وحتى اليوم، بسبب سوء الأحوال الجوية وبرودة الطقس عند تنقلّنا، إلى حين إيجادنا مأوى استطعنا حفظهم فيه بشقّ الأنفس".

ما زالت العائلة المهجرّة تبحث بدأب عن مكان مناسب للسكن، وكل ما تمكنت من تدبره غرفتين دون منافعهما تسكنهما ثلاث عائلات في وضع مزرٍ.

 وما زالت العائلة المهجرّة تبحث بدأب عن مكان مناسب للسكن، وكل ما تمكنت من تدبره غرفتين دون منافعهما تسكنهما ثلاث عائلات في وضع مزرٍ، كما انقطع أبناؤها عن تعليمهم المدرسي والجامعي، وانقلبت حياتهم رأساً على عقب.

ويختم جمال رشايدة حديثه بالقول: "قبل التهجير كانت حياتنا صعبة، واليوم أصبحت أصعب وأكثر تعقيداً. نحن نعيد تأسيس حياتنا من الصفر".

فرض معادلة جديدة

بدوره، يُعرب رائد موقدي الباحث والمختص في شؤون البيئة والاستيطان عن قلقه مما يجري على الأرض من مخططات الاحتلال التي تسير بوتيرة متسارعة في الضفة الغربية، لما تحمله من "خطورة مركبة"، حسب تعبيره. ويرى أن سلب العائلات الفلسطينية الاستقرار، وإجبارهم على إخلاء مساكنهم والهجرة عنها، وحرمانهم من عملهم في الثروة الحيوانية والزراعية في هذه المناطق، إنما هو تمهيد لإقامة "قواعد عسكرية" عليها.

ويوضح موقدي في حديثه لـ"نوى": "تُعد عرَّابة وصانور من المناطق الزراعية الخصبة، والتي تشهد أيضاً نمواً اقتصادياً، حيث يوجد تسع عشرة منشأة تجارية وحرفية في محيط المعسكر، إذ يعتمد عليها سكان المنطقة إلى حدٍ كبير في دعم الاقتصاد، وبالتالي من المتوقع أن تتأثر بسبب هذا التوجه".

"يهدف الاحتلال من إعادة المعسكرات لجيشه إلى فرض قيودٍ جديدة على حركة المواطنين، وإعادة السيطرة على المنطقة كاملة".

كما أن موقع المعسكر بحد ذاته الذي يقع على الطريق الرئيس الذي يربط جِنين في بلدتيّ يعبد وعرابة، سيلقي بظلاله سلباً على تلك المنطقة، مضيفاً: "وجود هذه المعسكرات سيكون له عواقب وخيمة من حيث تدمير القطاع الزراعي والتجاري في المنطقة المحيطة بالمعسكر، والأهم فرض معادلة جديدة لصالح جيش الاحتلال".

والأخطر في نظره، هو تكامل هذه المخططات لتصبّ في صالح مخطط "الضمّ الكلي"، مبيناً: "يهدف الاحتلال من إعادة المعسكرات لجيشه إلى فرض قيودٍ جديدة على حركة المواطنين، وإعادة السيطرة على المنطقة كاملة، وتثبيت وجود الاحتلال فيها وتضييق الخِناق عليها، وكلها مشاريع مترابطة".

 ومما يؤكد المخاوف، والكلام للباحث موقدي، أنه عندما أقرَّ الاحتلال السيطرة التامة على أكثر من 65 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وهي ما تُعرف بـ "منطقة ج"، "فهذا يعني أنه يخطط منذ زمنٍ لإعادة صياغة المنطقة وترسيمها بما يخدم سياسته، وذلك بإنشاء بؤر استيطانية أو إعادة السيطرة على معسكرات الجيش، في إطار خطوة عملية ترتبط بالسيطرة التامة على هذه المناطق"، يقول.

وفي أحدث الإحصاءات لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، فإنه منذ مطلع عام 2026 هُجّر 694 فلسطينيًا، منهم نحو 350 طفلًا، مما ألحق الضررَ بتسع قرى وتجمعات رعوية. ويُعد شهر كانون الثاني/يناير الجاري "ثاني أعلى شهر" من حيث مستويات التهجير منذ الذروة التي سُجلّت في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2023.