غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
منذ الخامسة فجرًا، تبدأ ولاء الوحيدي يومها بإيقاعٍ مختلف. لا توقظ أطفالها ليذهبوا إلى مدرسة مكتملة الملامح، بل تجلس معهم حول دفاتر مبعثرة، تراجع حروفًا وأرقامًا كان يفترض أن تُتقَن في أعوامٍ مضت.
بعد أن تُنهي أعمال منزلها وساعات عملها، تبدأ مهمتها الأشد قسوة: ترميم ما هدمته الحرب في عقول صغارها.
قبل ثلاثة أشهر، عاد عبد العزيز ورفقة وصباح إلى مقاعد الدراسة بعد رحلة نزوح طويلة، غير أن العودة لم تكن عودة كاملة؛ فالساعات الدراسية لا تتجاوز ساعتين يومًا بعد يوم، موزعة على المواد الأساسية الأربع، بواقع نصف ساعة لكل حصة.
"المدرسة لم تعد تشبه ما كانت عليه قبل الحرب: لا أنشطة، ولا بيئة تعليمية متكاملة، بل حد أدنى من الدروس يُقدَّم مقابل رسوم شهرية تثقل كاهل العائلات المنهكة أصلًا".
المدرسة، كما تقول ولاء، لم تعد تشبه ما كانت عليه قبل الحرب: "لا أنشطة، ولا بيئة تعليمية متكاملة، بل حد أدنى من الدروس يُقدَّم مقابل رسوم شهرية تثقل كاهل العائلات المنهكة أصلًا".
صباح، ذات الأعوام السبعة، تجلس أحيانًا في مقر عمل والدتها تنسخ درس اللغة العربية. الحرب حرمتها من رياض الأطفال والصف الأول الابتدائي، وهما المرحلتان الأكثر حساسية في تأسيس القراءة والكتابة والحساب. لذلك تمنحها والدتها وقتًا مضاعفًا، وتتابع دروسها عبر المجموعات التعليمية، وتخصص أمسيات كاملة لإعادة أطفالها إلى مستوى دراسي سبق أن بعثرته جائحة كورونا، ثم جاءت الحرب لتسلب ما تبقى.

على امتداد قطاع غزة، تنتشر مئات النقاط والمبادرات التعليمية بإشراف وزارة التربية والتعليم، لتحاول سد فجوة عامين من الانقطاع، لكنها، رغم أهميتها، تبقى حلولًا إسعافية.
الرسوم الشهرية، التي تبلغ نحو 150 شيكلًا للطالب، دفعت كثيرًا من الأسر إلى الامتناع عن تسجيل أبنائها، في ظل عجز مالي متفاقم، وهكذا تحول التعليم، الذي كان حقًا بديهيًا، إلى عبء إضافي في معادلة البقاء.
في إحدى القاعات، تقف المعلمة ديما الزهار أمام خمسة وعشرين طالبًا في الصف الخامس، تشرح ضرب الكسور العشرية وقسمتها، لكنها تعود في كل حصة إلى أساسيات الصفين الثالث والرابع.
معلمة: "الحرب أضاعت عامين من أعمارهم فوجدوا أنفسهم في مرحلة دراسية متقدمة دون أدواتها. بعضهم لا يجيد القراءة، وآخرون تراجعت قدراتهم بسبب النزوح المتكرر وغياب المتابعة".
تقول: "الحرب أضاعت عامين من أعمارهم، فوجدوا أنفسهم في مرحلة دراسية متقدمة دون أدواتها. بعضهم لا يجيد القراءة بطلاقة، وآخرون تراجعت قدراتهم بسبب النزوح المتكرر وغياب المتابعة"، موضحةً أن العملية التعليمية تكاملية وبنائية، لكن الواقع فرض عليها أن تبدأ من جديد، كأن الزمن عاد إلى الوراء.
لا يقتصر التحدي على المناهج، بل يمتد إلى الحالة النفسية، فتركيز الطلبة يتوزع بين الدرس ومتطلبات الحياة اليومية: جلب الطعام من التكية، وتعبئة المياه، والقلق الدائم من الغد.
تحاول المعلمة إشراكهم في أنشطة لا منهجية، لتمنحهم مساحة للتعبير، وتنتشلهم مؤقتًا من ثقل الواقع، "فالتعليم هنا لم يعد نقل معرفة فحسب، بل محاولة لإعادة الطمأنينة إلى عيون أنهكها الخوف" وفق تعبيرها.

في المرحلة الإعدادية، تبدو الصورة أقل قسوة، لكنها ليست مطمئِنة. المعلمة سوزان أبو حصيرة، التي أمضت عشرين عامًا في السلك التعليمي، تؤكد أن مستوى الطلبة لم يكن يومًا بهذا التشتت.
تبدأ حصصها بتمهيد من سنوات سابقة، لأن الفجوة واضحة في الأساسيات، والأسئلة التي يطرحها الطلبة تكشف ارتباكًا عميقًا: "كيف جاءت هذه القاعدة؟ ومن أين بدأنا؟"، ومع ذلك، ترى بارقة أمل في تحسن تدريجي مع عودة الاهتمام الأسري.
أما في المرحلة الثانوية، حيث تتراكم المناهج وتتحدد المسارات، فيتجلى الفاقد التعليمي بأوضح صوره.
يتحدث معلمون عن فاقد تعليمي ينذر بآثار بعيدة المدى لا يهدد التحصيل الفردي فحسب، بل على التنمية البشرية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
يقدّر مدرس اللغة العربية خالد أبو الشعر أن الطلبة خسروا ما يقارب أربع سنوات دراسية بين الجائحة والحرب.
يجد نفسه يشرح أساسيات يفترض أنها راسخة، ويلاحظ تغيرًا في سلوك الطلبة وانضباطهم، نتيجة انقطاع طويل عن مقاعد الدراسة.
يتحدث المعلمون عن فاقد تعليمي لا يهدد التحصيل الفردي فحسب، بل ينذر بآثار بعيدة المدى على التنمية البشرية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. مصطلح "الجيل الضائع" لم يعد تحذيرًا نظريًا، بل احتمالًا واقعيًا يتشكل في القاعات الضيقة والنقاط التعليمية المؤقتة.
بين مطرقة التأسيس التي تعيد الأطفال إلى الحروف الأولى، وسندان التراكمية الذي يثقل كاهل المراحل العليا، يقف معلمو غزة في معركة صامتة. ليس من أجل إنهاء المنهج، بل من أجل إنقاذ المعنى.. في كل حصةٍ، يحاولون ترميم ما تصدّع، وفي كل دفتر يُفتح، يراهنون على أن المعرفة ما زالت ممكنة رغم الركام.
