زوجات مُحَرَّرين "مُبعَدين".. وسائدٌ ما زالت خالية
تاريخ النشر : 2026-02-18 09:30

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن مشهد الأسرى الفلسطينيين المفُرج عنهم، بموجب الصفقات التي أُبرمت، نهايةَ الحكاية كما ظنَّ كثيرون. فخلف صور الابتسامات الأولى ودموع الفرح العابرة، كانت مأساةً أخرى تطهى على مهل، أسرى خرجوا من الزنازين إلى مَنافٍ بعيدة، وعائلاتٍ تُركت خلفهم يحاصرها منع السفر، تنتظر لقاءً لا يُعرف إن كان سيأتي حقًا أو متى سيأتي.

في شهاداتٍ متطابقة، أكدت زوجات الأسرى المحررين أن الاحتلال يتعمّد منعهن من مغادرة الضفة الغربية للقاء أزواجهن المبعدين، في سياق سياسةٍ ممنهجة وصفها حقوقيون بأنها أحد أشكال "العقاب الجماعي تحت ذريعة أمنية".

وبدأت عائلات الأسرى المحررين، بالتعاون مع مؤسساتٍ حقوقية محلية ودولية، خطواتٍ قانونية وإعلامية للضغط من أجل إنهاء هذا الملف. وتشمل هذه الجهود توثيق الحالات، وتقديم شكاوى رسمية، ورفع تقارير إلى هيئات أممية ومنظماتٍ دولية مختصة.

وخوفًا من الملاحقة أو فرض عقوبات إضافية، رفضت الزوجات اللاتي تحدثن لـ "شبكة نوى" في التقرير التالي ذكر أسمائهن، ما يعكس حجم القلق الذي تعيشه العائلات.

بعد سنوات الانتظار

حاولت (م. ج) السفر ثلاث مرات عبر جسر الملك حسين -الذي يفصل الضفة الغربية عن الأردن- وفي كل مرةٍ تُجبر على العودة دون الحصول على أيّ تبريرٍ واضح، سوى ادعاءٍ من كلمتين: "منعٌ أمني"، مع أنها تمكنت من السفر قبل عدة شهور من إتمام الصفقة والإفراج عن زوجها، لأداء مناسك العمرة عبر الجسر، دون أي مشكلة تُذكر، وفقاً لحديثها.

وتقول (س. أ) لـ "نوى": "زوجي أُبعد بعد خروجه من السجن إلى دولةٍ شقيقة، وأنا بقيت في سجنٍ من نوع آخر. لا أستطيع السفر إليه، وهو لا يمكنه العودة إلينا. حتى اللقاء البسيط أصبح حلمًا مؤجلًا بلا موعد. أطفالي يلّحون دومًا ويسألون: "متى سنراه؟" لكني لا أملك الجواب".

"زوجي أُبعد إلى دولةٍ شقيقة، وأنا بقيت في سجنٍ من نوع آخر. لا أستطيع السفر إليه، وهو لا يمكنه العودة إلينا. حتى اللقاء البسيط أصبح حلمًا مؤجلًا بلا موعد".

ومما يؤلمها أن المنع لم يقتصر عليها، بل شمل أطفالها أيضًا، رغم صغر سنهم وعدم وجود أي مبرر قانوني أو أمني يمنع سفرهم، مضيفة: "أرسلتُهم مع أمي لعلهم يجتازون الجسر ويلتقون والدهم، إلا أن المنع الأمني كان لهم بالمرصاد".

أما (ب. ق) لم تتخيل يوماً أن تدفعها قيود منع السفر إلى قرارٍ كهذا. فبعد أربع سنوات من الانتظار، أملاً في أن يفرج الاحتلال عن خطيبها وتتزوجه، إذ لم يتبقَّ له سوى عامين على إنهاء حكمه حين أُفرج عنه ضمن الصفقة وأُبعد بعدها قسرًا.

في أرض الإبعاد انتظرها عامًا، وكانت في كل محاولةٍ للسفر عبر جسر الملك حسين تُجبر على العودة من حيث أتت.

لم يستطع الاثنان الهروب من مواجهة قرارٍ قاسٍ: إما انتظارٌ مفتوح بلا أفق، أو الانفصال. وقد وصلا إلى نقطة النهاية وتفرّقت دروبهما بعد أن تحول حبهما إلى عبءٍ لم يعد يُحتمل.

 ومع استمرار المنع وضبابية المصير، لم يستطع الاثنان الهروب من مواجهة قرارٍ قاسٍ ليتعين عليهما الاختيار: إما انتظارٌ مفتوح بلا أفق، أو الانفصال. وقد وصلا إلى نقطة النهاية وتفرّقت دروبهما، بعد أن تحوّل حبهما إلى عبءٍ لم يعد يُحتمل.

علماً أن الفتاة لم تدّخر جهداً كي تصل إلى خطيبها، موضحةً: "حاولتُ رفع قضيةٍ في المحاكم "الإسرائيلية" بواسطة محامٍ من الداخل، لكن رُفض التعامل مع قضيتي بحجة أن المنع سياسي. وأخبرني أن عليَّ الانتظار حتى تُحل القضية سياسيًا، وحينها أستطيع السفر".

تتنهد بحزن، مضيفة: "يصعب علينا إبقاء الأمر معلّقًا بينما ننتظر حلاً لا ندري كم سيستنزف أكثر من أعمارنا".

العائلة "ورقة ضغط"

وتُجمع زوجاتٌ أخريات وأفرادٌ من عائلات الأسرى المحررين في الضفة الغربية، أن المنع بات سياسةً عامة، لا مجرد حالاتٍ فردية. فكل من حاول السفر للقاء أسيرٍ مُحرر مُبعد تربطه به قرابةٌ من الدرجة الأولى (أب، أم، أخ، أخت، زوجة، أبناء)، سواء إلى مصر أو تركيا أو قطر وغيرها، واجه المصير ذاته: الاحتجاز لساعاتٍ على جسر الملك حسين، ثم الإعادة القسرية، دون قرارٍ مكتوب أو حق في الاعتراض.

وفي هذا السياق، يذكر المحامي خالد محاجنة في تصريح لـ"نوى" أنه من الممكن من الناحية القانونية إيجاد حلول لزوجات وأهالي الأسرى المبعدين، موضحاً: "مسارات الطعن مُتاحة عبر رفع قضايا فردية لكل حالة منع، بتقديم التماساتٍ للمحكمة العليا، باعتبارها جهة قضائية يمكن اللجوء إليها للطعن في هذه القرارات والمطالبة بإلغائها".

ويرى محاجنة أن قرارات المنع المُبرّرةٌ غالباً بدواعٍ أمنية، في جوهرها تتجاوز ذلك.

وفي تصريح صحفي، أشارت أماني سراحنة مديرة الإعلام في نادي الأسير الفلسطيني إلى أن قرارَ منع عائلات الأسرى المحررين من السفر هو عقابٌ جماعيٌ ممنهج. ويرى حقوقيون أن هذا الإجراء يُشكّل امتدادًا لسياسة الاحتلال في استخدام العائلة "ورقة ضغط".

ويؤكدون أن المنع سياسيٌ بامتياز، ولا علاقة له باعتباراتٍ أمنية، إذ لا يمكن تبرير منع زوجة أو طفل من السفر للقاء زوجٍ أو والد.

وحسب رأيهم، أن الاحتلال يسعى بانتهاج هذه السياسة إلى تفريغ صفقات التبادل من بُعدها الإنساني، بالإبعاد والفصل القسري وتفكيك النسيج الأسري، وإيصال رسالةِ ردعٍ مستقبلية للأسرى وعائلاتهم.

وورد في بيانٍ لمركز حريات، أن منع عائلات الأسرى المحررين من السفر جاء عقاباً للطرفين، فهذه العائلات لم تكن ممنوعة من السفر قبل الصفقة، ولكن مع بدء صفقة التبادل والإفراج عن الأسرى، فُوجئوا بقرار المنع غير المبرر.

وبالنظر إلى القانون الدولي، فإن منع عائلات فلسطينية من السفر عبر معبر الكرامة للقاء أبنائها الأسرى المحررين هو انتهاك صارخ للإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 13) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وانتهاكٌ صريح للحق الطبيعي في التنقل، ويتعارض مع اتفاقية جنيف الرابعة التي تكفل حماية الحياة الأسرية في أوقات النزاع.

ومما يُوثّق على الصعيد الحقوقي، فإن الاحتلال يعتمد سياسة المنع غير المعلَن، حيث لا يُسلَّم للممنوعين من السفر أي قرار رسمي، ما يحرمهم من حق الاعتراض القانوني، ويُستخدم هذا الأسلوب على نطاقٍ واسع في القضايا ذات الطابع السياسي.

ما تزال عائلات الأسرى المحررين تعيش حالةً من القلق والترقب. فالأيام تمر، والأطفال يكبرون دون رؤية آبائهم، والزوجات يواجهن عبئًا نفسيًا واجتماعيًا متزايدًا أمام غياب أفقٍ زمني للحل.

ويبدو ملف الأسرى المحررين المُبعدين وعائلاتهم شاهدًا جديدًا على أن الحرية في الحالة الفلسطينية، لا تُقاس فقط بفتح أبواب السجون، بل بقدرة الإنسان على استعادة حياته الطبيعية وحقه في لقاء عائلته. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى المنفى والفراق وجهًا آخر من وجوه العقاب المستمر.