مزارعون يقاومون "الاقتلاع" وأشتالٌ مُحاصَرة في المسافر ويطا
تاريخ النشر : 2026-02-17 12:32

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في الأغوار الفلسطينية ومسافر يطا، حيث تمتد الحقول على مرمى البصر، وحيث تعلّم الناس أن يقرأوا الفصول من لون التراب ورائحة المطر، لم تعد الزراعة موسمًا للعطاء، بل صارت امتحانًا يوميًا للصمود.

هناك، لا يخرج المزارع مع شروق الشمس ليلاحق سنابل القمح، بل ليحرس أرضه من اقتحامٍ قد يقع في أية لحظة، ومن جرافة قد تصل بلا إنذار، ومن مستوطنٍ يضع خيمته على تخوم بيته وكأنها إعلان مصادرة صريح.

الأرض التي كانت مصدر القمح والرعي وعيشٍ يكفي بالكاد، تحوّلت إلى ساحة مواجهة غير متكافئة. لم يعد الخوف من الجفاف هو الهاجس الأول، بل من المستوطنين الذين يتحركون تحت حماية جيش الاحتلال، ومن قرارات تُتخذ فوق رؤوس أصحاب الأرض، فتُفرض الوقائع بالقوة، وتُقتلع مقومات البقاء الأساسية اقتلاعًا.

على امتداد سنوات، تعرّضت الأغوار ومسافر يطا لسياسة إسرائيلية متصاعدة تقوم على التضييق الممنهج: توسّع استيطاني، وهدم منازل، ومصادرة أراضٍ، ومنعٌ من الوصول إلى المراعي والينابيع، إلا أن الأشهر الأخيرة حملت تصعيدًا غير مسبوق، حتى باتت حياة المزارعين والرعاة جحيمًا يوميًا، تُنفذ فيه الاعتداءات على مرأى الجنود، في مشهدٍ يعكس تكامل الأدوار بين المستوطنين والجيش.

المزارع مهدي ضراغمة، الذي يعمل في الأرض منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، ورث المهنة عن أجداده كما يُورث الاسم، يقول: "إن السياسات تصاعدت بصورة لافتة بعد السابع من أكتوبر 2023. انقلب كل شيء رأسًا على عقب"، مشيرًا إلى أن حكومة الاحتلال منحت الجيش والمستوطنين ضوءًا أخضر لتكثيف الاعتداءات.

"أقام المستوطنون بؤرًا استيطانية جديدة، نصبوا خيامهم قرب تجمعاتنا السكانية، جلبوا أغنامهم وأبقارهم ووضعوها عند أبواب بيوتنا، خرّبوا ممتلكاتنا، ومنعونا من الوصول إلى المراعي والأراضي".

تعمل عائلة ضراغمة في الزراعة وتربية الأغنام والأبقار منذ عقود، لكن الاستمرار اليوم بات أقرب إلى مغامرة خاسرة. يضيف: "أقام المستوطنون بؤرًا استيطانية جديدة، نصبوا خيامهم قرب تجمعاتنا السكانية، جلبوا أغنامهم وأبقارهم ووضعوها عند أبواب بيوتنا، خرّبوا ممتلكاتنا، ومنعونا من الوصول إلى المراعي والأراضي"، مؤكدًا أن الاحتلال سيطر على كامل أراضيه الزراعية ومنع أي شخص من دخولها.

أرضه التي تمتد على نحو مئة دونم، كانت مزروعة بالقمح والشعير ومحاصيل بعلية. اليوم، جرى تخريبها بالكامل، واستُولي على جزء منها وسُيّج، ليُحرم من دخولها بشكل مطلق.

لم تتوقف الانتهاكات عند ذلك؛ قُتلت أغنامه، وحُجزت أبقاره، وفُرضت عليه غرامات مالية باهظة، كأن الخسارة لا تكتمل إلا بعقوبة.

يشير ضراغمة إلى أن نحو خمسة عشر ألف دونم من الأراضي الزراعية في محافظة طوباس شمال شرق الضفة الغربية، باتت تحت سيطرة الاحتلال، فيما تتعرض البيوت والمنشآت الزراعية للهدم المتكرر، وسط حصار خانق واعتداءات يومية.

"لا طعم للحياة ولا للنوم.. قهرٌ وإهانة"، يقولها بلا مواربة، موضحًا أن المؤسسات الحقوقية الدولية شاهدة على ما يجري، "لكن لا أحد يحرك ساكنًا".

في الأغوار الشمالية، في منطقة حمامات المالح، يروي عمار الفقها، وهو مربي ثروة حيوانية يبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، تفاصيل تكاد تتطابق.

أثناء حديثه، كانت جرافات الاحتلال تجرف أراضٍ مجاورة لمنزله بذريعة أنها منطقة عسكرية مغلقة، وهي ذريعة تتكرر، كما يقول، لتفريغ المنطقة من سكانها الأصليين.

الاعتداءات اليومية خلقت حالة رعب دائمة، خاصة بين الأطفال. لقد مُنع الفقها من إخراج أبقاره وأغنامه إلى المراعي، فنفقت ست بقرات بسبب الجوع والوحل المتكدس داخل المزرعة.

"يمنعوننا من كل شيء، حتى من تنظيف المكان تحت الأبقار"، يقولها بأسى، وهو صاحب المهنة المتوارثة الذي يعيل أسرة من ستة وعشرين فردًا، يعيشون اليوم تحت تهديد دائم بالهدم والحصار.

تشمل الانتهاكات: الرعي الاستيطاني المتعمد داخل الأراضي المزروعة، وتخريب المحاصيل والأشجار، والاعتداء الجسدي والتهديد بالسلاح، واقتحام المنازل والخيام، ومنع الوصول إلى الأراضي.

من جهته، يؤكد حسن مليحة، مشرف منظمة "البيدر" الحقوقية، أن ما يجري في الأغوار ومسافر يطا يندرج ضمن انتهاكات ممنهجة ومتعددة الأشكال، هدفها فرض الأمر الواقع والاستيلاء التدريجي على الأرض.

وتشمل هذه الانتهاكات (والحديث لمليحة) الرعي الاستيطاني المتعمد داخل الأراضي المزروعة، وتخريب المحاصيل والأشجار، والاعتداء الجسدي والتهديد بالسلاح، واقتحام المنازل والخيام، ومنع الوصول إلى الأراضي بذريعة المناطق العسكرية المغلقة.

كما تتضمن هدم المنشآت الزراعية والسكنية، ومصادرة المعدات وخطوط المياه، بما يشلّ العملية الزراعية بالكامل، ويحوّل حياة المزارعين إلى سلسلة من الخسائر المتراكمة.

ولا تقف المعاناة عند حدود الاقتصاد؛ إذ تمتد إلى البعد النفسي والاجتماعي، حيث تعيش العائلات في خوف دائم، مع شح حاد في المياه وتهديد مستمر بالتهجير القسري، لا سيما في مسافر يطا.

تقارير حقوقية محلية ودولية توثق مئات الانتهاكات سنويًا بحق المزارعين في هذه المناطق، تشمل عشرات عمليات الهدم والمصادرة، ومئات حالات الاعتداء ومنع الوصول إلى الأراضي، غير أن الأرقام المعلنة تبقى أقل من الواقع، بسبب صعوبة التوثيق والخوف من الإبلاغ.

ورغم محدودية الإمكانيات، تُبذل محاولات للتصدي لهذه الانتهاكات عبر التوثيق الميداني، ورفع الشكاوى القانونية، وتعزيز الوجود الشعبي في الأراضي المستهدفة، وإعداد تقارير تُرفع إلى المنظمات الدولية، إضافة إلى دعم صمود المزارعين بمشاريع طارئة. المزارعون يرون أن ذلك لا يكفي أمام سياسة معلنة، تسعى إلى اقتلاعهم من أراضيهم بهدوءٍ ثقيل، تهجيرًا صامتًا لا تصاحبه ضوضاء المعارك، لكنه يترك أثره عميقًا في التراب والذاكرة.