صُمّ غزة.. لا آذانَ تُصغي لصرختهم المكتومة
تاريخ النشر : 2026-02-17 10:51

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في إشارةٍ واحدة قبضت فيها زكية الجدبة على يديها، شدّت ملامحَ وجهها وأطبقت على حاجبيها؛ لتصف الواقع بـ"الصعب"، في حديث الأنامل التي ما فتأت تشكو عبرها حياةَ الخيام وغياب مقومات الحياة وصعوبة الواقع على الأصم في غزة.

تعيش زكية في مخيم الوحيدي وسط مدينة غزة، وتقضي معظم وقتها في الطبخ على النار، وغسل الأواني والملابس ونقل المياه، بينما ترعى طفلها الرضيع إلى جانب أربعة من أبناء أختها الشهيدة، وسط ظروفٍ معقدة وبيئةٍ غير مهيّأة تجعل من الحياة روتينًا قاتلًا، مؤكدةً أن حياة الصم باتت أصعب في الحرب دون الاستعانة بناطقين.

ومن أسوأ ما تمر به في الوقت الراهن، كما تقول، قسوة الشتاء في الخيمة، موضحةً: "أخشى على موت طفلي من البرد والمرض، خاصةً أن الخيمة تغرق بمياه الصرف الصحي المخلوط بالمطر، ما يضطرني إلى النزوح مجدداً".

أرخت جسدها ثم أسقطت يمينها وكأنها سكينٌ يقطّع يسارها لتشرح لنا مقدار تعبها. وهنا سألتها عن "المجاعة" لتومئ برأسها، حيث اضطرت في تلك المرحلة القاسية لتناول طعام الدواب وطرق أبواب الخيام؛ بحثًا عن الأكل الذي تسبَّب لها لاحقًا بآلامٍ دائمة في البطن والأقدام، وما زادها بؤساً اعتزالُها واكتئابُها بعد فقد إخْوتها في أثناء الحرب.

 زكية ليست وحدها في رحلة المعاناة، فهذه نعمة الجدبة تُقاسي لعدم قدرة زوجها الخمسيني وأبنائها الأربعة الصم على العمل، لافتةً إلى أنها هي من تتولى متابعة المهام الإغاثية؛ والسبب على لسانها: "لأنهم مش حِمل طوابير المساعدات والانتظار، ولا أحد يفهمهم".

"كان لدينا بيتٌ وطاقةٌ شمسية، الآن أبنائي بلا منزل ولا كهرباء ولا ماء ولا ملابس ولا هواتف تسلّيهم، ناهيك عن الافتقار للسماعات والبطاريات وارتفاع تكلفة الصيانة".

وعن اضطراب حياة عائلتها بعد الحرب، تخبرنا: "كان لدينا بيتٌ وطاقةٌ شمسية، ويقضي أبنائي وقتهم يشاهدون التلفاز، لكنهم الآن بلا منزل ولا كهرباء ولا ماء ولا ملابس ولا هواتف تسلّيهم، ناهيك عن الافتقار للسماعات والبطاريات وارتفاع تكلفة الصيانة، على سبيل المثال ابنتي تحتاج إلى سماعة أذن".

ولحق أذى نفسيٌ عميق بأولادها الذين يبكون وينعزلون ويرتبكون في لغة الإشارة كلما عبّروا عن خوفهم وضيقهم، مردفةً حديثها بالقول: "أنا "الناطقة" لم تعد لي طاقةٌ بتدبر شؤون حياتنا في غزة بعد الإبادة، فما بالكم بالصم!".

 وتشدّد الجدبة على ضرورة توفير مخيماتٍ تراعي خصوصية الصمّ، وفرصِ عملٍ آمنة في المؤسسات.

 حكمت غزال التي فقدت والديها إبّان الحرب، تحاول جاهدةً أن تصمد في معركة الصراع من أجل البقاء، وقد كلّت من تفاصيل الحياة الشاقة التي يعيشها أهل غزة "خيامٌ، وخشبٌ ونار، ولا قدرةَ مادية لشحن البطاريات والهواتف، ولا إضاءة، ولا خزانات مياه، ولا حياة كريمة"، تحكي لـ"نوى" بقلب مقهور.

واستنكرت غزال ادّعاء العالم العدالة الإنسانية فيما تغيب مقومات الدعم اللازم لذوي الإعاقة، وبكل ما أوتيت من غضب تقول: "لا أحد يلتفت لمعاناتنا ولا أحد يقف إلى جانبنا".

ارتفاع عدد المواليد بمشاكل سمعية

يرى رمضان حسين مدير قسم العيادات في جمعية "أطفالنا للصم"، أن الحرب لعبت دوراً في ارتفاع نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية في قطاع غزة، التي تجاوزت 2.3 في المئة من إجمالي عدد السكان، في حين لم تتعدَّ 1.9 في المئة قبل الإبادة.

 وتِبعاً لحديث حسين لـ"شبكة نوى"، لُوحظ أن أعداد المواليد الذين لديهم مشاكل سمعية سجلّت ارتفاعاً واضحاً، وقد بلغت نسبتهم 3 في المئة من كل ألف مولود حي، بفارق 1.3 في المئة من إجمالي نسبتهم قبل الإبادة، التي وصلت إلى  1.7 في المئة فقط، مشيراً إلى حاجة حوالي 70000 شخصٍ من ذوي الإعاقة السمعية إلى التدخل.

ومن أمسّ حاجات الصم السماعات والبطاريات، إلى جانب خدمة الصيانة التي باتت واحدةً من أبرز التحديات، حسبما يضيف. لافتًا إلى تضخم أعداد المراجعين في جمعية أطفالنا بصورة غير مسبوقة بواقع 1200 حالة أسبوعيًا من شمال القطاع حتى جنوبه.

ويقول: "تُعد البيئة غير النظيفة سبباً أساسياً في الأعطال المتكررة في السماعات؛ لعوامل عدة منها الرطوبة والغبار وعدم توفر أماكن مناسبة للمحافظة على البطاريات والسماعات، في حين يُسجل نقصٌ حاد لدى المؤسسات والأفراد في المستلزمات الخاصة بذوي الإعاقة السمعية".

"جمعية "أطفالنا للصم" تحرص على توفير خدمة الترجمة الفورية للأخبار و"العواجل" وجميع حالات الطوارئ، عبر منصات التواصل الاجتماعي التي يُتابعها الصم".

كما أشار حسين إلى عمق الفجوة بين أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية من جهة، والجمعيات الخاصة برعايتهم من جهة أخرى، إذ تقلّصت إلى جمعيتين من أصل ثمانٍ، بعد أن دمرّتها قوات الاحتلال الإسرائيلي كلياً أو جزئياً وبما تحويه من مختبراتٍ وأجهزة. في الوقت الذي ارتقى فيه قرابة 30 شخصاً من الصم واُعتُقل عددٌ كبيرٌ منهم؛ بسبب عدم قدرتهم على التواصل وغياب الوعي بالخطر المحيط.

وفي ختام حديثه، أفاد أن جمعية "أطفالنا للصم" تحرص على توفير خدمة الترجمة الفورية للأخبار و"العواجل" وجميع حالات الطوارئ، عبر منصات التواصل الاجتماعي التي يُتابعها الصم، وأُنشئ أيضاً مخيمُ نزوح موائم في دير البلح، يقدم خدمات إيواءٍ شاملة للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية من الفحص والصيانة والمتابعة، إضافةً إلى تدريبهم مع ذويهم.