أهازيج غزة المُرتجَلة.. الفُكاهة تسخر من اليأس
تاريخ النشر : 2026-02-16 10:20

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في مقطع فيديو لا يتجاوز دقيقةً واحدة، أطلقَ الشاب طارق أبو سنيمة (21 عاماً) "صرخة غضبٍ"، وبسرعة البرق أصبحت أهزوجةً شعبية: "لولا الزنانة لنشدّ الهامل من ذَانه".

وهي واحدةٌ من أمثلةٍ عدة على ظاهرةٍ فنية وُلدت من رحم الحرب في قطاع غزة، حيث تحوّلت الأغنية الشعبية إلى أرشيفٍ حي للأحداث، وأداةٍ للتنفيس، وسلاحٍ للمقاومة النفسية يمزج بين الألم والسخرية والصمود.

بكلماتٍ ارتجلها الفنان الشعبي طارق أبو سنيّمة، غنّى الجمهور معه بحماسةٍ وعفوية "لولا الزنانة". وهو بذلك، لم يتحدّ الاحتلال فقط، بل وجّه اتهاماً شعبياً مباشراً لشبكات المتعاونين معه، مُلمحاً إلى أن بقاءهم مرتبطٌ بحماية تكنولوجيا العدو.

كان صوت طارق يصدح في صالات الأفراح. أما اليوم، فقد أصبح فنه استجابةً مباشرة لنبض الشارع، إذ لم يعد الجمهور يطلب منه أغاني الحب التقليدية، بل "شيء خاص فينا احنا أهل غزة".

 هذه الأغنية، التي ضجّت بها مواقع التواصل الاجتماعي، لم تكن سوى واحدةٍ من عدة مقاطع عفوية قذفت بطارق، فنان الأفراح، إلى قلب المشهد الفني للحرب. "والله ما تخيّلنا إنه هيك"، يقولها أبو سنيّمة لـ"شبكة نوى" بنبرةٍ تشي بالدهشة من الانتشار المفاجئ، معترفاً بذهوله كيف تحولت هذه الصرخة المرتجلة، وكذلك مقطعٌ آخر له يئّن شوقاً "على رفح ودونا"، إلى مرآة تعكس أوجاع الناس وآمالهم تحت القصف.

قبل الحرب، كان صوت طارق يصدح في صالات الأفراح. أما اليوم، فقد أصبح فنه استجابةً مباشرة لنبض الشارع، إذ لم يعد الجمهور يطلب منه أغاني الحب التقليدية، بل "شيء خاص فينا احنا أهل غزة"، كما يوضح.

 وبينما يحلم الشاب، الذي عقد قرانه حديثاً، بالعودة إلى رفح والاستقرار فيها، يجد نفسه قد أصبح، دون قصد، صوتاً لجيلٍ كامل أخذت طموحاته الشخصية طابعَ حُلمٍ جماعي واحد: "طموحات غزة".

الفن لسان حال الناس

"كل فنان له نهجه، وأنا فنان أبحث عن رسالة".. بهذه الكلمات يختصر الفنان الشعبي "أبو عرب" البالغ من العمر (25 ربيعاً)، ابن مخيم النصيرات، فلسفته الفنية التي تبلورت في قلب الحرب.

 من وجهة نظره، الفنان الحقّ ليس من يملك صوتاً نَدياً فحسب، بل هو من يعبّر به أيضاً عما يُقاسيه شعبه، قائلاً: "إذا لم يوصل رسالةً للعالم، فهو ليس بفنان".

لم تكن أغاني "أبو عرب" مجرد كلماتٍ عابرة، بل أصبحت سجلاً حياً للحرب. لقد غنّى "لمعاناة الناس في شرب المياه، والمساعدات الأمريكية، وعن النزوح، وطابور المياه، والفكة، والعشرينات". وأشهر أغانيه كانت بمثابة تحذيرٍ اجتماعي ساخر وباللهجة البدوية "لا تلقى عنتساريم"، والتي تعني "لا تذهب إلى نتساريم"، في إشارةٍ إلى الطريق المحفوف بالمخاطر من أجل الحصول على المساعدات.

"الفنان الحقّ ليس من يملك صوتاً نَدياً فحسب، بل هو من يعبّر به أيضاً عما يُقاسيه شعبه، إذا لم يوصل رسالةً للعالم، فهو ليس بفنان".

 هذه الأغنية التي ركبت "الترند" كانت شهادةً على مرحلةٍ كاملة من الضياع، وتأكيداً على أن الفن يجب أن يكون لسان حال الناس، تبعاً لحديثه لـ"نوى".

 فقدَ الشاب بيته والاستوديو الذي كان يملكه في الحرب، لكنه لم يفقد إصراره. هو ذاته الفنان الذي كان يجوب شوارع غزة قبل اثنى عشر عاماً يغنّي الدحية على "عربة براد"، عاد اليوم ليجمع فرقته من جديد ويبدأ العمل "رغم كل شيء". مطلبه الوحيد بسيطٌ ومعقد في آنٍ: "وفرّوا لنا الكهرباء والنت، ما بدنا أكثر من هيك"، ليتمكن من إيصال رسالة غزة إلى العالم، فالرسالة، كما يكرر دائماً، هي جوهر الفن.

غناء ساخر في ميراج

هذه الروح الفنية لم تقتصر على الفنانين المعروفين، بل امتدت لتصبح فعلاً شعبياً يومياً، فقبل أن يغلق الاحتلال نقطة توزيع المساعدات في محور "مِيراج"، جنوب القطاع. لم تكن تلك البقعة مجرد مكانٍ للحصول على الطحين أو المعلبات، بل كانت أيضاً مسرحاً يومياً لآلية صمود فريدة.

هناك، وسط طوابير الانتظار الطويلة وتحت شمسٍ حارقة، كان الشاب محمد سالم (35 عاماً) ورفاقه يحوّلون لحظات اليأس إلى غناء جماعي ساخر. كانت أغنيتهم التي يرددونها معاً "القعدة في ميراج.. بتعدّل المزاج!"، أكثر من مجرد مزحة. لقد كانت اسلوباً يحمل مذاق التحدي، وسلاحاً للتغلب على إذلال الحاجة وقسوة الانتظار.

"إطلاقَ صرخةٍ ساخرة كهذه كان بمثابة إعلانٍ جماعي بأننا ورغم كل شيء، ما زلنا نملك القدرة على الضحك، مهما بدا المشهد سوداوياً، حيث لا يمكن لأي حصارٍ أو قصف أن يسلبها منا".

يقول محمد لـ"نوى": "بالتأكيد لم تكن "القعدة في ميراج" مريحة أو "بتعدّل المزاج"، في حقيقة الأمر هذا المنعطف بلغت فيه معاناتنا أوّجها، لكن إطلاقَ صرخةٍ ساخرة كهذه كان بمثابة إعلانٍ جماعي بأننا ورغم كل شيء، ما زلنا نملك القدرة على الضحك، مهما بدا المشهد سوداوياً، حيث لا يمكن لأي حصارٍ أو قصف أن يسلبها منا".

لقد أصبحت الأغاني المرتجلة في غزة، من اتهام "الزنانة" إلى سخرية "ميراج"، ليست وسيلة للتسلية فقط، بل آلية دفاع نفسية متقدمة. إنها شهادةٌ على إرادة شعب يتحدى عدوه الخارجي والداخلي معاً، ليؤكد في كل يوم أن روح الفكاهة العنيدة هي جزءٌ لا يتجزأ من إرادة الحياة لديه.