عجَلاتٌ حطّمها طريق النزوح.. ذوو إعاقةٍ يروون الحكاية
تاريخ النشر : 2026-02-15 16:50

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"قبل الحرب لم يكن شيء يقيّد حركتي. كنت أفعل كل شيء بنفسي، دون صعوبة. أطبخ، أتنقل، أذهب إلى أي مكان. اليوم أقصى ما أستطيع فعله أن أبقى جالسة في المكان ذاته، وهذا أكثر ما يشعرني بالعجز".

بالكلمات السابقة تختصر الشابة شيماء قديح، من محافظة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، المسافة بين حياتين: حياة كانت فيها الحركة امتدادًا طبيعيًا لوجودها، وأخرى انكمشت داخل خيمة تضيق بكرسيها المتحرك قبل أن تضيق بأحلامها.

في الخيمة التي تقيم فيها اليوم، تجد شيماء صعوبة بالغة في تحريك كرسيها؛ فالمساحة محدودة، والرمال تعيق العجلات وقد توقفها تمامًا.

في الخيمة التي تقيم فيها اليوم، تجد شيماء صعوبة بالغة في تحريك كرسيها؛ فالمساحة محدودة، والرمال تعيق العجلات وقد توقفها تمامًا.

تحوّلت الخيمة إلى مكان عام يتقاسمه جميع الأفراد، غرفة نوم ومطبخًا وصالونًا لاستقبال الضيوف في آن واحد. تقول: "أفتقد الخصوصية، وأشتاق إلى الإحساس بالراحة في زاوية تخصّني كما كان الحال في منزلي قبل الحرب".

أُجبرت شيماء على النزوح أكثر من سبع مرات، غير أن أصعبها كان حين حوصرت في منطقتها وسط طرق مدمّرة وخيارات معدومة، وساعات انتظار طويلة يتخللها البكاء.

كان خوفها الأكبر أن ينكسر الكرسي قبل أن تتمكن من المغادرة، أو أن تُترك خلف الآخرين لأنها تحتاج وقتًا أطول للحركة. تقول وهي تبكي: "للمرة الأولى، لم يعد الكرسي موجودًا لينقذني".

الكرسي الكهربائي الذي كانت تعتمد عليه لقضاء احتياجاتها فُقد تحت أنقاض منزلها بعد قصفه، وكذلك سريرها الخاص. تنام اليوم على فراش غير مريح، ما يفاقم حالتها الصحية، فهي تعاني ضيقًا في التنفس يؤثر في القلب، وتحتاج إلى عملية جراحية معقّدة في العمود الفقري.

تضيف بخوف واضح: "أخشى أن أفقد حياتي.. أنتظر أن يتم إجلائي". إلى جانب ذلك، تواجه صعوبة في توفير احتياجاتها الأساسية، لا سيما أدوات النظافة الشخصية التي تحتاجها بشكل شبه يومي، ما يشكّل عبئًا إضافيًا على أسرتها في ظل الانقطاع التام للمستلزمات.

تناشد شيماء المؤسسات الدولية، ولا سيما العاملة في مجال الأشخاص ذوي الإعاقة، بالضغط من أجل إجلائها وتوفير العلاج العاجل لها، غير أن قصتها ليست استثناءً.

تستعيد مريم تفاصيل الطريق. كأن الموت كان يرافقهم في كل خطوة، رأت جثامين ملقاة على الأرض وهي تدفع كرسيها المتحرك وسط الركام "سرت بجانبهم وشعرت بالرعب.. رأيت الموت بعيني".

مريم شقورة، وهي من ذوات الإعاقة الحركية أيضًا، تصف تجربتها خلال النزوح بأنها "سيئة للغاية".

اضطرت مريم إلى مغادرة منزلها أكثر من مرة، وكان أقساها عندما اقتحم الجيش الإسرائيلي منطقة المغازي شرقي المحافظة الوسطى، حيث كانت تقيم.

خرجت العائلة على عجل، من دون أن تتمكن من اصطحاب مقتنياتها، وسلكت طرقًا فرعية تفاديًا للقنّاصة المتمركزين على شارع صلاح الدين.

تستعيد مريم تفاصيل الطريق كأن الموت كان يرافقهم في كل خطوة. رأت جثامين ملقاة على الأرض وهي تدفع كرسيها المتحرك وسط الركام وبقايا المنازل المدمرة.

تقول: "سرت بجانبهم وشعرت بالرعب.. رأيت الموت بعيني".

لم تكن الوجهة واضحة. جلست العائلة ساعات طويلة في الشارع لا تعلم إلى أين تذهب، قبل أن تعثر على مكان يؤويها، تفتقر ظروفه إلى الحد الأدنى من الخصوصية والكرامة الإنسانية.

"واجهتُ صعوبات جسيمة في استخدام مرافق صحية غير مهيأة لاحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة (..) آخر نزوح لي لم أجد فيه فراشًا أنام عليه بسبب الاكتظاظ الشديد".

"واجهتُ صعوبات جسيمة في استخدام مرافق صحية غير مهيأة لاحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة" تضيف، مستطردةً بصوتٍ مثقل بالألم: "آخر نزوح لي لم أجد فيه فراشًا أنام عليه بسبب الاكتظاظ الشديد، ما أثر سلبًا في صحتي وتسبب في تكرار إصابتي بوعكات صحية، في ظل محدودية العلاج الذي أصبح شبه منقطع".

وتعاني مريم صعوبة في توفير الأدوات المساعدة، وعلى رأسها الكرسي المتحرك الذي تضرر جراء السير فوق الركام. وتشير إلى أنها سقطت عنه مرتين في الشارع، الأمر الذي سبب لها إحراجًا شديدًا أمام المارة، مؤكدةً أنها لم تتلقَّ أي مساعدات طوال فترة الحرب، إذ لاحظت غيابًا واضحًا للمؤسسات المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، في وقت كان يفترض أن تتضاعف فيه الجهود.

محمد أبو كميل يختصر تحوّل حاله بالقول: "حياتي انقلبت رأسًا على عقب بعد فقداني الكرسي الكهربائي". أصبح يتنقل بصعوبة في ظل الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية والطرقات، ما جعل استخدام وسائل النقل شبه مستحيل، خصوصًا مع غياب الأدوات المساعدة المناسبة.

ويوضح أن معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة لا تقتصر على صعوبة الحركة، بل تمتد إلى الرعب المستمر، والنزوح المتكرر، وانعدام الأمن الغذائي، واصفًا تجربة النزوح بأنها قاسية للغاية، بسبب عدم مواءمة مراكز الإيواء لاحتياجاتهم وغياب مراعاة خصوصياتهم.

ويرى أن هذا الإهمال يرتبط بنقص الكوادر المؤهلة للتعامل مع هذه الفئة، إضافة إلى تغييبهم عن المشاركة في وضع الخطط وصنع القرار.

يلفت محمد إلى أن أصعب التحديات هو غياب مكان ملائم للعيش، ما ينعكس سلبًا على الخصوصية ويفقدهم أدنى مقومات الحياة الكريمة وسط فوضى يومية لا تراعي احتياجاتهم.

"تضررت الأدوات المساعدة بشكل بالغ نتيجة تدمير الشوارع (..) أنا على تواصل دائم مع مؤسسات عاملة في مجال الإعاقة، لكنها تعاني شح الموارد وصعوبة إدخال الأدوات بسبب إغلاق المعابر لفترات طويلة".

وعلى الصعيد الصحي، يشير إلى أن عددًا من زملائه فقدوا حياتهم نتيجة عدم توفر الأدوية اللازمة بسبب الإغلاقات والحصار، وصعوبة الوصول إلى مراكز صحية غير مهيأة لهم وتفتقر إلى كوادر مدربة.

"كما تضررت الأدوات المساعدة بشكل بالغ نتيجة تدمير الشوارع (..) أنا على تواصل دائم مع مؤسسات عاملة في مجال الإعاقة، لكنها تعاني شح الموارد وصعوبة إدخال الأدوات بسبب إغلاق المعابر لفترات طويلة" يزيد.

ويعبّر عن أسفه لانسحاب بعض المؤسسات ومغادرة القائمين عليها خارج غزة، ما فاقم المعاناة، مقيمًا حجم التدخلات بأنها ضعيفة جدًا مقارنة بحجم الاحتياج المتزايد.

ويشدد محمد على ضرورة إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في جميع الخطط والبرامج، ومنحهم دورًا حقيقيًا في التخطيط والتنفيذ، مؤكدًا أن أكثر الاحتياجات إلحاحًا اليوم هو الإدخال العاجل للأدوات المساعدة.

قبل اندلاع الحرب كان عدد ذوي الإعاقة بغزة 55 ألف شخص، ومع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية سجلت أكثر من 7 آلاف حالة جديدة.

وتشير بيانات وزارة الصحة الفلسطينية إلى ارتفاع أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة نتيجة الحرب، "فقبل اندلاعها قُدّر عددهم بنحو 55 ألف شخص، (53%) منهم من الذكور، وشكّل الأطفال نحو 18% من الإجمالي، ومع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، سُجلت أكثر من سبعة آلاف حالة إعاقة جديدة، بينها نحو ستة آلاف حالة بتر، ما يعكس تصاعدًا ملحوظًا في الإصابات التي خلّفت إعاقات دائمة".

الناشط في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ناجي ناجي، يرى بدوره، أن الحرب خلّفت آثارًا كارثية على هذه الفئة، إذ تعتمد حياتهم أساسًا على قدر من الاستقرار والخدمات المستمرة، مثل الرعاية الصحية والتأهيل وتوفر الأدوات المساعدة، "لكن انهيار البنية التحتية والخدمات انعكس عليهم بشكل مضاعف؛ فقَدَ كثيرون منازلهم وأجهزتهم ومراكز التأهيل والأدوية، وأصبح عدد كبير منهم معتمدين كليًا على أسرهم في ظروف معيشية بالغة الصعوبة".

ويلفت إلى أن حرية الحركة تمثل أحد أبرز التحديات في ظل دمار الشوارع وغياب الطرق المهيأة ووسائل النقل ونقص سيارات الإسعاف، قائلًا: "أصبح تنقل مستخدمي الكراسي المتحركة أو الأطراف الصناعية بالغ الصعوبة، لا سيما أثناء القصف أو النزوح، حيث تأخر بعضهم أو تُركوا خلف عائلاتهم بسبب حاجتهم إلى وقت ومساعدة خاصة أثناء الإخلاء".

"أسهمت الإصابات الجديدة، خصوصًا حالات البتر، في ظهور أعداد إضافية تحتاج إلى خدمات تأهيل فورية غير متوفرة بالقدر الكافي".

ولفت إلى تدهور أوضاع الحالات المزمنة، وارتفاع معدلات تقرحات الفراش والالتهابات والمضاعفات الناتجة عن انقطاع الأدوية، إلى جانب تفاقم الاضطرابات النفسية كالقلق والصدمات.

وأسهمت الإصابات الجديدة، خصوصًا حالات البتر، في ظهور أعداد إضافية تحتاج إلى خدمات تأهيل فورية غير متوفرة بالقدر الكافي.

ويرى أن تدمير البنية التحتية أدى إلى عزل شبه كامل للأشخاص ذوي الإعاقة، في ظل انقطاع الكهرباء اللازمة لتشغيل بعض الأجهزة الطبية، وشح المياه النظيفة، وتضرر مراكز التأهيل والمستشفيات، وعدم تهيئة مراكز الإيواء لاستقبالهم. "أما الاستجابة الإنسانية، فعلى الرغم من وجود جهود تقدمها بعض المؤسسات، فإنها تبقى محدودة مقارنة بحجم الاحتياج، بسبب ضعف الإمكانيات وغياب التنسيق واستمرار القيود، فيما لا يحظى ملف الإعاقة غالبًا بالأولوية ضمن خطط الطوارئ"، وفقًا لناجي.

ويدعو ناجي إلى إدماج ملف الإعاقة في جميع خطط الطوارئ، وإشراك منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة في التخطيط والتنفيذ، وتوفير آليات توزيع مرنة كالنقاط المتنقلة أو التوصيل المنزلي، إلى جانب دعم خدمات التأهيل بشكل عاجل، خاصة لحالات البتر الجديدة، حتى لا تتحول الإعاقة من تحدٍّ قابل للاحتواء إلى عزلة كاملة داخل حرب لا ترحم.