غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لا تكتب آلاء القطراوي من بعيد، ولا تقف خارج التجربة. كتابتها مولودةٌ من الفقد، ومشبعةٌ بالالتزام الأخلاقي والوطني تجاه ما يحدث في فلسطين، وتحديدًا في غزة. في أعمالها الأخيرة، لم يكن الأدب ترفًا، بل فعلَ مقاومة، وتوثيقًا وجدانيًا للإبادة، ووسيلةً للبقاء.
تقول الشاعرة الحاصلة على الدكتوراة في الأدب العربي، إن الشعر لم يعد موهبةً فحسب، بل أداةً لمواجهة الإبادة، ولحفظ أسماء الشهداء من الذوبان في الأرقام التي ترد في البيانات الصحفية. هي تكتب من منطقةٍ شعورية عميقة، حيث تتحول التجربة الشخصية إلى ذاكرةٍ جمعية، ويغدو النص أثرًا طويل الأمد في الوجدان الإنساني.
مخاطبة الشهداء "إيمان"
قوتها لا تخلو من وهن، وإيمانها لا يتزعزع بأن "الشهداء أحياء، ومخاطبتهم فعل إيمان، وأن الكلمات قادرةٌ على كسر المسافة بين الغياب والحضور"، كلمات تخرج من القطراوي بمنتهى الصبر، بينما تفتح قلبَها لـ "نوى".
في أثناء الإبادة، وبعد فقد أطفالها الأربعة شهداء، كتبت إصداراتها الأربعة: "خيمة في السماء"، "أوركيدا"، "فراشتي التي لا تموت"، و"يُكلّمني كنان"، وكلها صدرت عام 2025.

تبدأ بــ" خيمةٍ في السماء" قائلةً: "إنها ليست مجرد خيمة، هي قلبي الذي ما زال ينزف. عملٌ شعري رثيتُ فيه أطفالي الشهداء ووثّقت أسماء كثيرٍ من الشهداء، وكل ما كنت أشعر به وقت الإبادة. النصوص هنا لم تكن بكاءً ولا استسلاماً، بل تسليماً يدرك قسوة القدر ولطفه في آن".
"ماذا عن "أوركيدا؟" تجيب: "هو عملٌ مسرحي نال المركز الأول في جائزة "أنطوان سعادة"، يمكنني أن أختصره بعبارةٍ أوجهها لطفلتي أوركيدا: "اطمئني يا ماما ما زلتِ ترقصين وتنشدين، وما زلت تضيئين قلبي، وكل قلبٍ يحبك".
طفلها كنان زارها في المنام، وقال لها "أنتِ حلوة كتير يا ماما". قبل أن يستشهد كان يلدغ بحرف الراء، لكنه في ذلك الحلم كان صوته صافياً وحروفه مكتملة.
أما إصدارها "فراشتي التي لا تموت" الذي شاركت به في القائمة الطويلة لـ"جائزة الشيخ زايد"، تخبرنا عنه: "كنت أبدأ كلَ مقطعٍ بعبارة "إذا مِت"، لكن من يكمل القراءة يدرك أن المعنى العميق للنص يقول عكس ذلك تمامًا، إنه رفض الموت، والتشبّث بالحياة، ولو عبر اللغة. الفراشة هنا ليست رمزًا جماليًا، بل استعارةً للروح، للطفولة، وللهشاشة التي تقاوم الفناء".
الخيال شكلٌ آخر للحقيقة
يأتي كتاب" يكلمني كنان" نصاً نثريًا حميمياً، تقوم بنيتُه على حوارٍ متخيل مع طفلها كنان. تبتسم عندما تقول: "الخيال هنا ليس انفصالاً عن الواقع، بل امتداداً له. أشعر بهم يكلمونني، وأحدّثهم".
طفلها كنان زارها في المنام، وقال لها "أنتِ حلوة كتير يا ماما". قبل أن يستشهد كان يلدغ بحرف الراء، لكنه في ذلك الحلم كان صوته صافياً وحروفه مكتملة، تلك الرؤيا ألهمت الأم بحواراتٍ دارت مع صغيرها، ما لبثت أن تحولت لنصوصٍ أدبية، وحلقة وصلٍ بين كل أمٍ وطفلها، وفقاً لحديثها.
ترى آلاء القطراوي أن الخيال في كتاباتها ليس هروبًا، بل شكلًا آخر من الحقيقة، ووجهة نظرها أنه خيالٌ ملموس، يرتكز على المجاز، فالخيال الحقيقي يمكن الإحساس به، لأنه مستمدٌ من تجربة عايشها الفلسطينيون جميعًا، وهو ليس خارجاً عن الإدراك العقلي، والكلام لها.
العلاقة الملهمة التي تربطها بأطفالها تستدعي التوقف عندها، تشرح آلاء لنا: "أطفالي يشاركونني الكتابة، يلهمونني لما أكتب، ويردّون عَليّ وعلى ما أكتب. في إحدى المرات طلبتُ رأي صديقةٍ لي في بعض النصوص لكتاب "يكلّمني كنان"، وكان يسألني في النص ما هو الشغف. حاولت صديقتي أن تقنعني أنه طفلٌ لا يعرف معنى الشغف، محاولةً إقناعي بتغيير العبارة، وإذ بكنان يأتيني في المنام، قائلاً: "أنا كنان أنا الشغف"، وبهذا حسمَ صغيري الإجابة".
الحديث عنهم مسؤولية أخلاقية
خاطبت الشاعرة الثكلى أطفالها في كتاباتها عن قصدٍ ووعي كامل، ليس لأن الحالة الأدبية فرضت عليها ذلك، والسبب حسبما تضيف: "لدي إيمانٌ مطلق بأنهم يسمعونني ويقرؤون كتاباتي وكلماتي، ويفرحون حين يُذكرون وحين تُروى حكاياتهم".
ولا تنكر الأم لحظات الضعف والانهيار، بقولها: "أبكي كثيراً وربما كل ليلة،ـ وأشتاق لهم، لكن الإيمان يعيدني في كل مرة".
"أجرح ذاتي بالكلمات، ثم أعود لأخيط هذا الجرح. أنا أكتب عن أطفالي ولدي إيمان بأنهم أحياءٌ في قلبي، وأؤمن أنهم سيعيشون كثيراً".
"هل تساعدك الكتابة على التشافي؟" تصمت هنيهةً قبل أن يأتي الجواب على لسانها: "الكتابة عندي جرحٌ ودواء في آنٍ واحد، هي جرحٌ لقلبي ورتق في الوقت ذاته. أجرح ذاتي بالكلمات، ثم أعود لأخيط هذا الجرح. أنا أكتب عن أطفالي ولدي إيمان بأنهم أحياءٌ في قلبي، وأؤمن أنهم سيعيشون كثيراً".
وتؤكد في حديثها لـ"نوى"، أن الشهداء لا يموتون، وأن ما ارتكبه الاحتلال في غزة وصمةُ عار ستظل تلاحقه إلى أن يندثر، وتشدد بدورها على أن رصدَ وتوثيق حكايات الشهداء وأحلامهم والحديث عنهم "مسؤوليةٌ أخلاقية"، يجب أن تصل للعالم أجمع بواسطة الأدب كما الإعلام. "هم ليسوا أرقاماً، هم حياة كاملة، وهذا دافعي في كل ما أكتب"، تختصر رؤيتها.

لن تتخلى آلاء القطراوي عن قلمها، الذي لا ينفد مِداده ولا نوره، طالما أنه يعتنق فكرة أن "الأدب كان وسيبقى طريقًا للمقاومة، لا بوصفه احتجاجًا فحسب، بل كونه محاكمةً أخلاقية للإبادة، وحارسًا لروح الإنسانية الفلسطينية، وذاكرةً لأطفال غزة جميعًا".
