غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في غزة، حيث تتقاطع حرب الإبادة الإسرائيلية مع الأزمات الاجتماعية، وتمتزج أصوات الانفجارات مع صرخات الحياة اليومية، تبدو المرأة الفلسطينية في موقع الضحية الأبرز للعنف المرّكب، وبينما تستمر معاناتها بسبب القصف والتدمير والنزوح وفقد المأوى والأمان، تواجه أيضًا عنفًا مجتمعيًا يضاعف هشاشتها، ويقيّد قدرتها على الصمود.
وتشير تقارير حقوقية إلى ارتفاع معدلات العنف الأسري والتمييز ضد النساء في ظل الحرب، إضافة إلى الحرمان من الخدمات الأساسية، وضغوطٍ نفسية متراكمة.
بيت الأمان هو مؤسسةٌ حكومية تتبع وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، أُنشئت أواخر عام 2011، وتعنى بالنساء والفتيات اللواتي لحق بهن العنف بأشكاله.
هذه المعطيات تضع المرأة في قلب معادلةٍ معقدة، حيث تصبح الحرب والعنف المجتمعي وجهين لواقعٍ واحد يهدد حياتها وكرامتها. وتعكس هذه المعطيات والتقارير الحقوقية حكايا إنسانية عن نساءٍ يقاومن من أجل البقاء، ويبحثن عن مساحة للكرامة وسط واقع يزداد قسوة.
دعمٌ نفسي واجتماعي
واقعٌ مرير وبائس تعيشه المرأة في غزة، ويزداد قتامةً مع غياب منظومة العدالة والحماية وانهيار المؤسسات المعنية. ووسط هذا الظلام برز "بيت الأمان لرعاية النساء المعنّفات" خطَّ دفاعٍ وحيداً، إذ يوفر مأوىً آمناً للنساء المعنّفات، ويمنحهن دعمًا نفسيًا واجتماعيًا، ويساعدهن على استعادة حقوقهن القانونية.
وبيت الأمان هو مؤسسةٌ حكومية تتبع وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، أُنشئت أواخر عام 2011، وتعنى بالنساء والفتيات اللواتي لحق بهن العنف بأشكاله كافة، سواء العنف الجسدي، أو العنف النفسي، أو العنف الجنسي، أو العنف الاجتماعي قبل أو بعد الزواج.
تقول مديرة المؤسسة سهاد قنيطة لـ "نوى" إن الفئة المستهدفة من خدمات "بيت الأمان" هي النساء والفتيات المعنّفات من عمرٍ يتفاوت من 14 إلى 60 عامًا، والناجيات من العنف، والنساء اللواتي يعانين أوضاعاً صعبة، والنساء اللواتي ليس لهن معيل، والنساء المغتربات.
ويقدم بيت الأمان خدماتٍ متنوعة، كالاستشارات والدعم النفسي والاجتماعي، والمساندة القانونية والتوعية بحقوق المرأة، والتمكين الاقتصادي وبناء المهارات، وكذلك "خدمة الإيواء"، التي تلفت قنّيطة إلى أنها مرهونةٌ بحل المشكلة وتأمين النساء.
هذه الخدمات وصلت لمستوياتٍ متدنية، جراء تدمير قوات الاحتلال الإسرائيلي للمقر الرئيس لبيت الأمان كليًا في حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، ووفقًا لحديث قنيطة فإن تدمير المقر تسبّب في تحويل العمل الرسمي إلى نظام العمل الطارئ والمتنقل بدلاً من الخدمات الثابتة، وصعوبةٍ في توفير الخصوصية والأمان للنساء، وصعوبة توفير مكانٍ آمن لحماية النساء، وضغطٍ كبير على الكادر البشري العامل تحت ظروف الحرب.
تدمير المقر تسبّب في تحويل العمل الرسمي إلى نظام العمل الطارئ والمتنقل بدلاً من الخدمات الثابتة، وصعوبةٍ في توفير الخصوصية والأمان للنساء.
وعن مدى التكيف مع هذا الواقع المرير، توضح أن "بيت الأمان" اتّجه لتقديم خدماتٍ نفسية واجتماعية في أماكن بديلة، والعمل عبر الإحالات والشراكات المحلية، مع إعطاء الأولوية للحالات الأكثر خطورة.
برامج خاصة بانعكاسات الحرب
قبل اندلاع الحرب كان بيت الأمان يقدم خدماته لمئات النساء سنوياً من فئاتٍ مختلفة، وقد ارتفعت أعداد المستفيدات على نحو ملحوظ جراء انعكاسات عامين من الحرب، التي لم تتوقف تماماً، رغم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وجد "بيت الأمان" نفسه مضطرًا لإضافة فئات جديدة طرأت نتيجة ظروف الحرب التي زادت من حاجة النساء الغزيات للدعم النفسي والاقتصادي، وعلى وجه الخصوص "فئة النساء النازحات ممن فقدن المعيل والمأوى، وفئة النساء الناجيات من الموت والأسر، وفئة النساء المهجورات، وقد فُتحت ملفاتٌ خاصة لهؤلاء النساء، لتقديم المساعدة اللازمة لهن بواسطة وزارة التنمية الاجتماعية".
وفي هذا السياق، تشير مديرة "بيت الأمان" إلى استحداث برامج خاصة مرتبطة بانعكاسات الحرب على النساء، حيث تم العمل على إدارة ملف المرأة بمختلف حالاتها الاجتماعية، وتعزيز تقديم المساعدة الإغاثية لها ولأسرتها، ضمن نطاق خدمات وزارة التنمية الاجتماعية.
وجد "بيت الأمان" نفسه مضطرًا لإضافة فئات جديدة نتيجة ظروف الحرب، وعلى وجه الخصوص "النساء النازحات ممن فقدن المعيل، والناجيات من الموت والأسر، والمهجورات".
وأبرز هذه البرامج، كما تقول قنيطة: "الإسعاف النفسي الأولي للناجيات من الحرب، والدعم النفسي والاجتماعي، بتنفيذ أنشطة ثقافية وتوعوية للنازحات في المخيمات، وزيارات ميدانية، وتدخلات عاجلة لحالات العنف الأسري، وجلسات تمكينٍ نفسي واجتماعي، وإحالات طبية وقانونية".
كما تُعقد دورات قانونية فيما يتعلق بالتوعية بالحقوق والمواريث والأوراق الرسمية المطلوبة لدى الجهات المختصة، خاصةً من طرف أرامل الشهداء وذويهم، لافتة إلى أن احتياج النساء في غزة لخدمات بيت الأمان هو حاجة ضرورية ومُلّحة، رغم الإمكانيات الشحيحة.
النساء هن الأكثر تأثرًا بانعكاسات الحرب: اضطرابات نفسية، وفقدان الشعور بالأمان والاستقرار، وازدياد العنف الأسري، وتفكك الرابطة الاجتماعية، وانعدام فرص الدخل والعمل والتعليم.
ومن وجهة نظر قنيطة، النساء في غزة هن الأكثر تأثرًا بانعكاسات الحرب، وأبرز آثارها عليهن: اضطرابات وصدمات نفسية كالهلع والكوابيس والاكتئاب والقلق، وفقدان الشعور بالأمان والاستقرار، وازدياد العنف الأسري والزوجي بسبب الضغوط الاقتصادية والنفسية، وتفكك الرابطة الاجتماعية، وتحميل النساءَ أعباءً مضاعفة، واستهدافهن في أثناء القصف وما نتج عنه من إصابات وبتر، وانعدام فرص الدخل والعمل، وعدم توفر مشاريع التمكين الاقتصادي، وعدم إتاحة فرص للتعليم.
لم يكن الطريق سهلاً أمام بيت الأمان، وقد كافح القائمون عليه من أجل استمرارية خدماته، والتغلب على معوقات كثيرة ومركبة، ومنها النزوح المتكرر وشحّ الموارد، ونقص التمويل، وصعوبة الوصول الآمن للنساء، وانقطاع الكهرباء والاتصالات، والضغط النفسي الهائل على الطواقم، وغياب الاستقرار الأمني.
