غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يواجه النازحون المقيمون في مراكز الإيواء في منطقة "مترو الجوازات" غربي مدينة غزة، أوضاعًا إنسانية شديدة الخطورة، بسبب انتشار مخلفاتٍ حربية داخل محيط سكنهم، مع غياب أي إجراءاتٍ عملية لتأمين المراكز أو تطهيرها من مصادر الخطر، ما يُحوّل أماكن اللجوء المؤقتة إلى بؤر تهديد دائم.
ويفاقم هذا الوضع القاتم المَخاطر على مختلف الفئات، خاصةً الأطفال والنساء وكبار السن، كما ينعكس مباشرةً على عمل المؤسسات الإنسانية، إذ أدّى استمرار وجود المخلفات الحربية إلى تعطيل دخول الطواقم الإغاثية، ما يعني معاناةً أكبر للسكان، وتركَ آلاف المدنيين دون خدمات أساسية أو حماية إنسانية.
وفي هذا السياق، حمَّل النازحون المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المسؤولية القانونية والأخلاقية عن استمرار هذا الإهمال؛ وما يترتب عليه من مخاطر جسيمة.
السكان ينظمون وقفات احتجاجية
من جهته، يقول محمد دواس مدير مخيمات "مترو الجوازات"، لـ"شبكة نوى" إن المخيمات تؤوي قرابة 1800 أسرةً، لكلٍ منها احتياجات إنسانية متزايدة، إلا أن وجود مخلفات حربية خطِرة داخل محيط مراكز الإيواء حوَّل حياة النازحين إلى معاناةٍ مضاعفة، وأدى إلى توقفٍ شبه كامل لعمل المؤسسات الدولية داخل تجمع المخيمات، بذريعة خطورة الموقع.

ويؤكد دواس أن هذه المخلفات أثرت مباشرةً على وصول الخدمات الأساسية، مشيرًا إلى تقارير صادرة عن دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) قدّرت المساحة الانفجارية للمخلفات بنحو 2,4 كيلومتر مربع، وهو نطاق خطر قد تمتد آثاره إلى مناطق بعيدة تشمل مفترق أنصار، ومنطقة التشريعي، ومركز الجندي المجهول، وجامعة الأزهر، ناهيك عن تهديده المباشر بمحو المخيمات كاملةً، في حال وقوع انفجار.
سكان المخيمات نظّموا عدة وقفات احتجاجية للمطالبة بإزالة هذه المخلفات، ليس فقط بسبب خطرها المباشر، بل لأنها تحرمهم من المساعدات الإنسانية، في وقتٍ يعيشون فيه ظروفًا كارثية بعد فقدان منازلهم ومصادر دخلهم، حسب حديث دواس.
ويواصل حديثه لـ "نوى": "في آخر اجتماع لنا مع الصليب الأحمر، لم نلمس أيَّ استجابة حقيقية، باستثناء اقتراح تجميع المخلّفات في حاوياتٍ رملية داخل المنطقة، وهو حلٌ خطِر من شأنه مضاعفة حجم الكارثة بدلاً من معالجتها".
تقارير صادرة عن دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) قدّرت المساحة الانفجارية للمخلفات بنحو 2,4 كيلومتر مربع.
ويستعرض دواس تطور الأزمة، موضحًا أن المخلفات كانت في بدايتها محدودة، وحُيّد بعضٌ منها بالتنسيق مع هندسة المتفجرات، إلا أنه بعد موجة النزوح الأخيرة في سبتمبر الماضي، ظهرت مخلفاتٌ إضافية في الجهة الغربية الجنوبية للمخيمات، ورغم محاولات إدارة المخيم استئناف العمل وتوفير الخدمات، فوجئوا بقرار من الصليب الأحمر بوقف جميع أنشطته، دون تقديم حلول عملية.
والمفارقة، أن إدارة المخيم عندما تواصلت مع عددٍ من المؤسسات أسفر ذلك عن نتيجةٍ عكسية، بتصنيف المنطقة أنها شديدة الخطورة وبالتالي يُمنع الاقتراب منها، مع التحذير من أن أي محاولة لنقل المخلفات قد تجعل حياة العاملين عرضةً للخطر.
المقترح الوحيد الذي قُدّم، كان نقل سكان المخيمات إلى منطقة نتساريم وسط القطاع، وهو خيار وصفه بغير المنطقي، خاصة أن مطلب السكان يقتصر على التدخل العاجل قبل وقوع كارثة إنسانية، وإزالة المخلفات وتأمين المساعدات الإنسانية.
"المقترح الوحيد الذي قُدّم، كان نقل السكان إلى منطقة نتساريم، وهو خيار غير منطقي (..) مطلب السكان يقتصر على إزالة المخلفات وتأمين المساعدات".
ولا يتوقف النازحون عن المطالبة بالتدخل العاجل والإزالة الفورية والآمنة لجميع المخلفات الحربية داخل مراكز الإيواء، مؤكدين أن أرواح المدنيين لا يجوز أن تبقى رهينةً للتجاهل والتقاعس، كما دعوا إلى إعادة فتح المراكز أمام عمل المؤسسات الدولية والأهلية والمحلية دون عوائق، والتحرك السريع لإنقاذ مراكز الإيواء التي تعيش أوضاعًا إنسانية كارثية، تهدّد حياةَ من احتموا بها بحثًا عن الأمان.
شعورٌ بالظلم لتوقف المساعدات
يبدو القلق واضحاً في ملامح هدى الفهوم، التي نزحت من مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة إلى مخيم "مترو الجوازات"، وهي تعيل أسرةً مكوّنةً من سبعة أفراد بعد سفر زوجها لتلّقي العلاج. وتقول إن المخيم الذي يضم مئات العائلات يمرّ بأزمةٍ إنسانية خانقة.
وتضيف الفهوم في حديثها مع "نوى": "أعيلُ أطفالًا وأعيش حالةَ خوفٍ دائم بسبب وجود المخلّفات الحربية، إلى جانب شعور عميق بالظلم بعد توقف المؤسسات الدولية عن تقديم المساعدات بحجة خطورة المكان، بدلًا من العمل على إزالة هذا الخطر". وتستنكر إيقاف المساعدات لا سيّما مع غياب أي مصدر دخل أو فرص عمل، وهذا حوّل حياتهم إلى معاناةٍ يومية، وجعل توفير أبسط الاحتياجات أمرًا بالغ الصعوبة.

وتبعاً لقولها، حرمت المؤسسات الدولية العائلات حتى من المكملات الغذائية الخاصة بالأطفال، معبرةً عن استيائها: "تلك المؤسسات اكتفت بأخذ الإحداثيات ثم توقفت عن زيارة المخيم، لم يفكروا بنا ولا بأطفالنا، ولا بالحوامل والمرضعات والأرامل اللواتي كنَّ يعتمدن على هذا الدعم للبقاء على قيد الحياة".
وكغيره من النازحين، ذاق أسامة الشوربجي وقت الحرب كلَ أشكال الخوف وعدم الاستقرار، ولم يشعر بأي أمان في مخيمات النزوح.
ويرى الرجل الذي يعيل أسرةً مكونة من أحدَ عشر فردًا، إضافة إلى شقيقته وطفلها، وطفلين يتيمين من أقاربه، في استمرار وجود هذه المخلفات خطرًا يوميًا على حياتهم، مطالبًا الجهات المختصة بالتحرك الفوري لإزالتها؛ درءًا للكوارث المحتملة.
"كل ليلةٍ نتوسد الخوف، فالقوة التدميرية لهذه المخلفات قد تمتد إلى مناطق أبعد من المخيم، وهذا يجعلنا قلقين باستمرار على أطفالنا وعائلاتنا".
ويتألم الشوربجي لما يعيشه مع مئات الأسر: "كلُ ليلةٍ نتوسد الخوف، فالقوة التدميرية لهذه المخلفات قد تمتد إلى مناطق أبعد من المخيم، وهذا يجعلنا قلقين باستمرار على أطفالنا وعائلاتنا"، مشيرًا إلى أنهم توجهوا مِرارًا إلى الجهات المعنية دون أن يلمسوا أي نتائج إيجابية.
ووفقاً لتجربته، خلقت المخلفات أزمةً مزدوجة، تتمثل في التهديد المباشر للحياة من جهة، ومن جهة ثانية حرمان المخيمات من الخدمات الإنسانية، في وقت فقدَ فيه السكان كل ما يملكون ويعيشون أوضاعًا مأساوية قاسية.
وتُجمع إفادات إدارة وسكان المخيمات المتضررة على أن المخلفات الحربية داخل مراكز الإيواء تشكل خطرًا مباشرًا على حياة النازحين، علاوة على تسببها بتوقف المساعدات الإنسانية، ما فاقم الأوضاع المعيشية المزرية، وسط مطالب عاجلة بإزالتها فورًا، وتأمين حياة المدنيين دون الاضطرار لتهجيرٍ جديد.
