أطفال غزة والخيمة.. "مدرسة الخوف الأولى"!
تاريخ النشر : 2026-01-29 12:20

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

الليل في قطاع غزة لا يهدأ أبدًا، حتى حين يغمض الأطفال أعينهم على أمل نومٍ عابر. صوت الريح يتسلل بين الخيام الممزقة، كأنه صدى متأخر لصفير القذائف، فيما تترك أقدام المارة على التراب المبلل أثرًا يعيد إلى الذاكرة لحظات نزوحٍ قاسية جرت تحت عيون الطائرات.

هنا، لا يأتي الليل ليستريح الناس، بل ليختبروا قدرتهم على التحمّل مرة أخرى.

فجأةً، طرقات متقطعة على قطعة خشب وُضعت على بوابة إحدى الخيام تجعل قلب آدم، ذي الأعوام السبعة، يقفز من صدره. يظنها بداية قصف، أو إنذارًا بانهيار العالم من حوله في لحظة واحدة.

من خلف بطانيته الرقيقة، يعلو صوت الطائرات في السماء، ويستقر في رأسه يقين صغير وقاسٍ بأنه لن يستطيع الهرب من الرصاص الطائش إن قرر أن يزور خيمتهم. هذا ما ترويه أمه داليا عبدو، وهي أم لثلاثة أطفال، أصغرهم آدم، وقد صار الخوف رفيق ليلهم الطويل.

تستعيد داليا موقفًا لا يفارق ذاكرتها، تخبرنا أنها كانت تجلس ذات مرة مع صديقة تروي لها مأساة امرأة استشهدت وخلّفت أطفالًا صغارًا، وفجأة سمعت صوت بكاءٍ خافت يتوسل: "لا تتركيني.. إن متِّ خذيني معك، أخاف أن أعيش من دونك". عندها فقط أدركَت حجم الرعب الذي يسكن طفلها، وقدرته المبكرة على استيعاب الفقد.

منذ ذلك اليوم، تحولت وصيته إلى طقس يومي لا يغيب: "إياكِ أن تموتي وتتركيني".

"أحب أختي الصغيرة، لكنني أخاف من فكرة أن أصبح يومًا أمًا لها كما حدث مع طفلات كثيرات بعد فقدان أمهاتهن. أخاف أن أفقد صديقاتي الجديدات كما فقدت سلمى وراما".

في مكان آخر، تعيش سارة، ذات الاثني عشر عامًا، خوفًا من نوعٍ مختلف. لم تعد تخشى الأصوات وحدها، بل فكرة التعلق بالآخرين. فقدت صديقاتها وأقرب الناس إليها في غارات سابقة، وكلما شعرت بالحنين إلى من أحبتهم، باغتتها فكرة فقدانهم المفاجئ.

تقول بصوتٍ منخفض يشبه الاعتذار: "أحب أختي الصغيرة، لكنني أخاف من فكرة أن أصبح يومًا أمًا لها كما حدث مع طفلات كثيرات في غزة بعد فقدان أمهاتهن. أخاف أن أفقد صديقاتي الجديدات كما فقدت سلمى وراما، وأبقى على بكاءٍ جديد". الخوف من فقدان الأمان بات جزءًا من يومها، وأصبح الارتباط بالآخرين تجربة محفوفة بالخسارة قبل أن تبدأ.

أما علي، البالغ من العمر تسع سنوات، ويعيش في مخيم جباليا، فيرتجف قلبه كلما سمع أزيز الطائرات أو رأى السماء مزدحمة بالطلعات الجوية. حتى لحظات اللعب القليلة لم تعد آمنة.

كرة صغيرة في طريق ترابي كفيلة بأن تفتح باب القلق على مصراعيه. "أخاف أن أخرج من باب الخيمة، حتى لو للعب فقط.. قد يصيبنا شيء فجأة.. رصاصة مثلًا"، يقول علي، وهو يدير عينيه في المكان، كما لو أن كل زاوية تخبئ خطرًا ينتظر.

تروي ليان مخاوف الصيف القاسي داخل الخيام. تتحدث عن بعوض لا يرحم، وحرارة خانقة تجعل الليل أشبه بفرن مفتوح، وأصواتٍ مفاجئة توقظهم فزعين من النوم.

ليان، ذات الأحد عشر عامًا من دير البلح، تروي بدورها مخاوف الصيف القاسي داخل الخيام. تتحدث عن بعوض لا يرحم، وحرارة خانقة تجعل الليل أشبه بفرن مفتوح، وأصواتٍ مفاجئة توقظهم فزعين من النوم.

تقول: "كل شيء بات مزعجًا، والاستيقاظ على الخوف صار عادة، لا استثناء.

هكذا يعيش أطفال غزة، بين أصوات الطائرات وطرقات الخيام، بين رصاصٍ طائش وبعوض الصيف الحارق، وبين خوفٍ أعمق من فقدان الأحبة ومن التعلق بهم. لم تترك الحرب لهم الدمار المادي وحده، بل زرعت في داخلهم قلقًا دائمًا من الغد، وكبرت معهم أسئلة لا تليق بأعمارهم.

في هذا المكان، لم يعد الخوف مجرد شعور عابر، بل صار لغة يومية يتقنها الأطفال قبل أن يتعلموا تهجئة أحلامهم.