موظفو غزّة.. غَرقى في بحر القلق: "ما مصيرنا؟"
تاريخ النشر : 2026-01-25 17:25

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يُمضي المهندس الزراعي همّام أبو لبدة (31 عامًا) جزءًا طويلًا من نهاره في فحص المنتجات الزراعية المعروضة في السوق المحلي، والإشراف على نقاط التوزيع في قطاع غزة.

عملٌ يتطلّب دقة ومسؤولية، لكنه لا ينجح في إسكات السؤال الأكبر الذي يسكن قلبه منذ شهور: ماذا تحمل المرحلة المقبلة لموظفي غزة؟ وإلى أين سيمضي مصيرهم في ظل ما يُحاك من اتفاقات بعيدة عن الخيام؟

همّام شاب يعمل في وزارة الزراعة الفلسطينية منذ عام 2022م، عُيّن بموجب شهادته الجامعية ليكون واحدًا من نحو خمسين ألف موظفة وموظف جرى تعيينهم في عهد الحكومة التي شكّلتها حركة "حماس" في قطاع غزة عام 2007م. اليوم، يقف هؤلاء جميعًا أمام مصيرٍ ضبابي، يتأرجح مع كل خبرٍ يتسرّب عن مفاوضات القاهرة، من دون أي موقف رسمي يضع حدًا للقلق.

يقول همّام، وهو يعيش في خيمة مع زوجته وطفلتيه بعد نزوحهم من منزلهم في مدينة رفح جنوب القطاع: "طوال فترة الحرب واصلت عملي، رغم أن الراتب الذي كنت أتقاضاه لا يتجاوز ألف شيكل، معظمها نقود مهترئة. الآن، يساورني قلق كبير بشأن المرحلة المقبلة: هل سيتم إقصاؤنا؟ هل سنواصل العمل؟ لا توجد حتى الآن معلومة رسمية واحدة تريح بالنا المشغول".

ويتنهّد قبل أن يُكمل: "خلال الحرب كنت أعمل رغم خطورة الأوضاع الأمنية، وانتشار اللصوص، والهجوم على الشاحنات، ومع ذلك لدي قناعة بأن العمل يجب ألّا يتوقف". قناعة -على حد تعبيره- لم تأتِ من فراغ، بل من إيمان بأن الخدمة العامة ليست رفاهًا، بل ضرورة في زمن الانهيار.

ومنذ التحاقه بوزارة الزراعة، عمل همّام ضمن طواقم تنفيذ المشاريع بالتعاون مع منظمات داعمة للقطاع الزراعي، وشارك في تدريب المزارعين، قبل أن ينتقل إلى فحص المنتجات الزراعية، وهو عمل يؤكد أنه يُقدَّم للناس دون أي انتماء سياسي.

"لدي طفلتان، إحداهما رضيعة تحتاج إلى الحليب والحفاضات. حتى الراتب الذي أتقاضاه حاليًا لا يكفي هذه التكاليف، ولا تكاليف النزوح والعيش في خيمة".

"كل ما أتمناه أن يحمل المستقبل خبرًا يطمئننا على مصيرنا"، يقول، قبل أن يضيف: "لدي طفلتان، إحداهما رضيعة تحتاج إلى الحليب والحفاضات. حتى الراتب الذي أتقاضاه حاليًا لا يكفي هذه التكاليف، ولا تكاليف النزوح والعيش في خيمة. أتمنى أن يكون المستقبل أوضح من هذا الغموض الذي أنهك أعصابنا ونفسياتنا".

القلق ذاته تعيشه الأربعينية فاطمة، التي تعمل في قطاع الصحة منذ عام 2011م، ولم تتمكن من مواصلة عملها خلال الحرب إلا في الأشهر الأخيرة، بعد انتظار طويل لإذن من مديرها بالعودة.

تقول لـ"نوى": «عملي خدمي بحت، لا يرتبط بحكومة بعينها، لكن كوني موظفة ضمن الحكومة في غزة يجعل مصيري مجهولًا. هناك حالة من عدم الوضوح أحدثت ارتباكًا كبيرًا بيننا، حتى وإن كان قطاعا الصحة والتعليم أقل هشاشة من غيرهما".

وتتساءل فاطمة بمرارة عمّن سيكون مديرها أو مسؤولها مستقبلًا، وهل ستظل أصلًا على رأس عملها أم سيتم استبعادها، وهل سيُحتفظ بالموظفين أم سيُقصَون دفعة واحدة؟ "لا شيء واضح، أبدًا" تختم.

وتُكمل فاطمة حديثها بصوت مثقل بالتجربة: "بعد وفاة زوجي خلال الحرب أصبحت المعيلة الوحيدة لابنتي التي تدرس الطب، وابنيّ اللذان يدرسان الثانوية العامة وسيلتحقان بالجامعة العام المقبل. إلى جانب ذلك، أسدّد قرض مرابحة منذ ما قبل الحرب بعد شرائي شقة سكنية، وأتحمّل ديونًا مترتبة على زوجي. لا أعلم ما مصير كل هذا إن أصبحت بلا مصدر دخل، ولا مصير دين المرابحة الذي حصلت عليه من بنك تابع للحكومة السابقة".

كل ما تتمناه فاطمة، كما تقول، أن يتم التعامل بمهنية مع جميع الموظفين والموظفات، بعيدًا عن الحسابات السياسية، وألا يتم إقصاء أحد من مكانه. "فالجميع لديهم التزامات، ومن الصعب تخيّل موظفٍ بات بلا عمل".

"وضع المدنيين أفضل، لأن إمكانية دمجهم قائمة، لكن نحن المفرغين على كادر عسكري، رغم أننا نعمل كشرطة ونقدّم خدمة مدنية، هناك تخوّف حقيقي من الاستغناء عنّا بحجة أننا عسكريون".

ومع ذلك، يبدو واقع الموظفين المدنيين أقل تعقيدًا مقارنة بوضع العاملين في الأجهزة الشرطية، كما يؤكد الأربعيني عوض، الذي يعمل شرطيًا منذ عام 2007م.

يقول عوض: "وضع المدنيين أفضل، لأن إمكانية دمجهم قائمة، لكن نحن المفرغين على كادر عسكري، رغم أننا نعمل كشرطة ونقدّم خدمة مدنية، هناك تخوّف حقيقي من الاستغناء عنّا بحجة أننا عسكريون، رغم أن الشرطة جهاز مدني في الأساس". مفارقة تزيد من شعوره بالهشاشة.

يعيش عوض اليوم مع زوجته وأطفاله الأربعة في خيمة بدير البلح، بعد أن فقد منزله في غزة. وطوال الحرب، واصل عمله كشرطي رغم المخاطر المحدقة بمهنته، مقتنعًا بأن توفير الحد الأدنى من الأمن والحماية واجب لا يجوز التخلي عنه، حتى في أقسى الظروف.

"واصلتُ العمل رغم خطورة الأوضاع الأمنية، وتعرّض جهاز الشرطة للاستهداف أكثر من مرة. كل ما حصلت عليه هو ألف شيكل شهريًا، معظمها نقود مهترئة لا تصلح للتداول".

ويُكمل: "واصلتُ العمل رغم خطورة الأوضاع الأمنية، وتعرّض جهاز الشرطة للاستهداف أكثر من مرة. كل ما حصلت عليه هو ألف شيكل شهريًا، معظمها نقود مهترئة لا تصلح للتداول (..) بالنسبة لي، يبقى وجود دخل -مهما كان ضئيلًا- أفضل من لا شيء، المهم أن أجد ما أنفقه على أطفالي، خاصة مع معيشة الخيام البائسة".

لم يعد معظم الموظفين منشغلين كثيرًا بسؤال: من سيحكم قطاع غزة؟ فبعد أكثر من عامين كان الموت فيهما لصيقًا بكل إنسان، بات الجميع مقتنعين بأن النجاة بالأرواح أولوية تتقدّم على أي اعتبار آخر.

اليوم، يؤمن هؤلاء بأن ما يقدّمونه من خدمة للمواطنين سيبقى كما هو، مهما تغيّر من يتولى الحكم، شريطة ألّا يتم إقصاؤهم، وقبل كل شيء، أن يسمعوا خبرًا واحدًا فقط، خبرًا يهدّئ من روع هذا البال الملتاع.