غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
داخل خيمةٍ واسعة ذاتَ سقفٍ مرتفع، غرب مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، ينكبّ سليمان أبو حسنين على صنع حجرٍ من الطوب بواسطة ماكينةٍ يدوية متوسطة الحجم، صنعها بنفسه، ضمن مشروعه Green Rock باستثمار ركام المنازل المدمرة، مستغنياً بذلك عن خطوط الإنتاج التقليدية الضخمة، والهدف منه المساهمة في إيواء النازحين.
مشروع "الحجر الأخضر" يلّبي الاحتياجات الطارئة، بعد تغيّر واقع الصناعة منذ السابع من أكتوبر عقب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، حيث حظْرَ الاحتلال دخول الإسمنت، وبالتالي أصبح المتاح ركاماً وطيناً ورملاً، وهي الموادّ الأساسية لمشروعه.
سليمان البالغ من العمر أربعين عاماً، درسَ تخصص تصميم المواقع ثم نُظم المعلومات الإدارية، لكنه منذ سنواتٍ عملَ في مجال الدهان وصيانة المباني، ما أكسبه خبرةً في مجالٍ أضحى رياديًا فيه.
من ركام المنازل وأقل تكلفةً وجهداً
يتحدث سليمان عن فكرة مشروعه لـ "شبكة نوى": "تقوم الفكرة على إنتاجِ طوبٍ صديق للبيئة من مواد متوفرةٍ محليًا، بتقنية "طوب الليجو"، باستخدام كمية إسمنت تتفاوت من 7 إلى 12 في المئة، وقد أجريتُ تجاربَ على عينات، بحيث أختبر نجاعة بديلٍ ممكن عن الإسمنت الذي لا يدخل غزة، وحتى لو دخلَ لن يتمكن الناس من شرائه".
يتكون الحجر الذي يصنعه سليمان من التربة بالدرجة الأولى، وكذلك الطين، ويربط بينهما بالركام الذي يطحنه يدويًا باستخدام مطارق، بدلاً من الكسارات الضخمة التي لا تتوفر في السوق المحلي ولا يسمح الاحتلال بدخولها، يقول.

وبعد عملية الطحن، يستعين الشاب بمُنخلٍ كبير، وبتنخيله الركام المطحون يحصل على التدّرج الرملي الذي يريده، مؤكداً أن استخدام ركام المنازل لصنع الطوب يُعد تقنية متاحة عالميًا.
ويواصل الشرح: "فيما يتعلق بالماكينات التي أستخدمها في مصنعي الصغير، فقد استعنتُ بنماذج موجودة أصلًا عملتُ على تطويرها، بما يناسب الواقع في قطاع غزة الذي يفتقد إلى أي أدوات مساعدة أخرى".
ومن مزايا الطوب الذي ينتجه أنه "قويٌ ومتين"، وبه تُشيّد مبانٍ صديقةٌ للبيئة، حيث يقلّل الاعتماد على الطاقة سواء في مراحل إنتاجه أو إنشائه والإقامة فيه، كما يُقلّل الاعتماد على التبريد، كونه عازلاً للصوت والحرارة، بالمختصر هو حلّ مؤقت مناسب لإيواء النازحين بدلًا من الخيام أو حتى الكرفانات، والكلام له.
مشيراً بإصبعه إلى طابورٍ يصطّف فيه الطوب الذي صنعه، باستخدام الركام المطحون وكذلك الطين والرمل، وقال: "هذه الأحجار أقل تكلفةً وجهدًا من الأحجار العادية".
ويضيف: "الحجر يمكنه الصمود نحو سبع سنوات، ويحتوي وفق تصميمه على فتحاتٍ واسعة لاستخدامها في التوصيلات والتمديدات الكهربائية".
مستدركاً حديثه: "لكنه بحاجةٍ إلى مختبراتٍ تفحص مدى تأثره بالمواد المتفجرة التي أُلقيت على المنازل، ناهيك عن اختبارات قوة الضغط والامتصاص، وهي فحوصاتٌ مكلفة، ولا يتوفر في القطاع سوى مختبرين فقط. ومن جهةٍ أخرى العمل وفق هذه التقنية يستهلك جزءًا كبيرًا من الركام الذي قُدّر بكميةٍ تراوحَ بين 60 و 70 مليون طن، مما يتطلب جهوداً فعالة للتخلص منه".
حجر يحتاج إلى السواعد
حصل سليمان أبو حسنين على تمويلٍ من مركز العمل التنموي "معًا"، مكّنه من تطوير ماكينته بما يناسب واقع قطاع غزة، وهو يعمل حاليًا على تصميم نماذجَ لغرفٍ صفية.
يجلس على حجرٍ ضخم من نوعٍ آخر من الطوب، معرباً عن أمنيته: "كل ما أريده ألا يبقى إنسان داخل خيمة، أن يجد الجميع مأوىً يليق بالحياة الكريمة"، ثم يضرب بيده بقوةٍ على الحجر، والذي يصل سُمكُه إلى ثلاثين سنتيمتراً وارتفاعه أقل من نصف مترٍ بقليل؛ ويخبرنا: "من وجهة نظري هذا الحجر أهم، اسمه حجر "التربة المدكوكة"، وهو من الطين والرمل المضغوط يدويًا، لكنه صلبٌ ويعيش آلاف السنين".

ويقترب سليمان من قالبٍ كبير من الخشب، يضعُ فيه كمياتٍ مدروسة من الطين والرمل والركام المطحون، ويبدأ في ضغطه يدويًا باستخدام مطرقةٍ خاصة به، ثمّ يفك القالب ليحصل على حجرٍ ضخم مثل الذي كان يجلس عليه تمامًا.
ومُجدَداً، يعود ليؤكد على مزايا الحجر "الأهم" حسب تعبيره: "رغم كبر حجمه إلا أنه لا يحتاج إلى ماكيناتٍ ولا خطوط إنتاج، تكفيه سواعد الشباب القوية في مراكز الإيواء، فبوسعهم إنتاج طوبٍ مثل هذا بأنفسهم".

وفي هذه الآونة، يعكف سليمان على تجهيز مأوىً لنازحين مكوّنٍ من "غرفتين وصالة ودورة مياه ومطبخ"، وهو مشروع ينفذّه لشخصٍ يرغب بتوفير مكانٍ مناسبٍ لعائلته، متمنياً أن تتبنى المنظمات المحلية مبادرته، لتستخدم "الطوب الصديق للبيئة" من أجل توفير مأوى للنازحين من ناحية، والتخلص من الركام من ناحيةٍ أخرى.
